🚘

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٢٤

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٢٤

المؤلف:

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي


المحقق: الدكتور عمر عبدالسلام تدمري
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٥
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الطبقة الثالثة والثلاثون

سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة

[شغب الجند على القاهر]

فيها شغب الجند على القاهر بالله ، وهجموا الدّار ، فنزل في طيّار إلى دار مؤنس فشكا إليه. فصبّرهم مؤنس عشرة أيّام.

وكان ابن مقلة منحرفا عن محمد بن ياقوت ، فنقل إلى مؤنس أنّ ابن ياقوت يدبّر عليهم. فبعث مؤنس غلمان عليّ بن بليق إلى دار الخلافة يطلبون عيسى الطّبيب لأنّه اتّهم بالفضول. فهجموا إلى أن أخذوه من حضرة القاهر فنفاه مونس إلى الموصل (١).

[التضييق على القاهر]

واتّفق ابن مقلة ومونس وبليق (٢) وابنه على الإيقاع بابن ياقوت ، فعلم فاستتر وتفرّق رجاله. وجاء عليّ بن بليق إلى دار الخلافة ، فوكّل بها أحمد بن زيرك (٣) ، وأمره بالتّضييق على القاهر وتفتيش من يدخل (٤).

__________________

(١) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٥ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٥٠ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٨.

(٢) يرد في المصادر : «بليق» و «يلبق» بتقديم الياء المثنّاة.

(٣) في نهاية الأرب ٢٣ / ١٠٩ «زيزك» ، والمثبت يتفق مع أكثر المصادر.

(٤) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٥ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٥٩ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ١٢ ، والإنباء في تاريخ الخلفاء ١٦١ ، صلة تاريخ الطبري لعريب ١٨٥ ، المنتظم

٥

وطالب ابن بليق القاهر بما كان عنده من أثاث أمّ المقتدر ، فأعطاه إيّاه ، فبيع وجعل في بيت المال ، وصرف إلى الجند (١).

[موت أم المقتدر]

ونقل ابن بليق أمّ المقتدر إلى عند أمّه ، فبقيت عندها مكرّمة عشرة أيّام ، وماتت (٢) في سادس جمادى الآخرة (٣).

[الإرجاف بسبّ معاوية]

وفيها وقع الإرجاف بأنّ عليّ بن بليق وكاتبه الحسن بن هارون عزما على سبّ معاوية على المنابر ، فارتجّت بغداد (٤).

[استتار البربهاريّ]

وتقدّم ابن بليق بالقبض على رئيس الحنابلة أبي محمد البربهاريّ فاستتر ، فنفي جماعة من أصحابه إلى البصرة (٥).

[القبض على ابن بليق]

وبقي تحيّل القاهر في الباطن على مونس وابن مقلة ، فبلغهم فعملوا على خلعه وتولية ابن المكتفي. فدبّر ابن مقلة تدبيرا انعكس عليه. أشاع بأنّ القرمطيّ قد غلب على الكوفة ، وأرسل إلى القاهر : المصلحة خروج ابن بليق إلى قتاله. ليدخل ابن بليق يقبّل يده ، فيقبض عليه. ففهمها القاهر ، وكرّر ابن

__________________

= ٦ / ٢٤٩ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٥١ ، تاريخ الزمان ٥٥ ، تاريخ مختصر الدول ١٥٩ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١٠٩ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٨.

(١) تجارب الأمم ١ / ٢٦٠ ، المنتظم ٦ / ٢٤٩ ، تاريخ مختصر الدول ١٥٩ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٨.

(٢) جاء في هامش الأصل هذا التعليق : «ث. في آخر السنة قبلها ماتت تحت عذابه معلّقة بحبل ، وفي هذه السنة ماتت عند أم بليق».

(٣) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ٧٥ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦٠ ، المنتظم ٦ / ٢٤٩ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٥١ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٥ ، ١٧٦ ، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٣٩٢.

(٤) تجارب الأمم ٥ / ٢٦٠ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ١٢ ، المنتظم ٦ / ٢٤٩ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٦ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٢ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٨.

(٥) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٥ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦٠ ، ٢٦١ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ١٢ ، ١٣ ، المنتظم ٦ / ٢٤٩.

٦

مقلة الطّلب بأن يدخل ابن بليق ليقبّل يده ويسير. فاستراب القاهر ، وراسل الغلمان الحجريّة وفرّقهم على الدّركاه ، وراح ابن بليق إلى القاهر في عدد يسير ، فقام إليه السّاجيّة وشتموه ، فهرب واستتر ، واضطرب النّاس ، وأصبحوا في مستهلّ شعبان قلقين (١).

[القبض على مؤنس]

وجاء بليق إلى دار الخليقة ليعتذر عن ابنه ، فقبض عليه وعلى أحمد بن زيرك ، وعلى يمن المؤنسيّ صاحب شرطة بغداد وحبسوا وصار الجيش كلّه في دار الخليفة ، فراسل مونسا وقال : أنت عندي كالوالد ، فأتني تشير عليّ. فاعتذر بثقل الحركة. ثمّ أشاروا عليه بالإتيان ، فلمّا حصل في دار الخلافة قبض عليه (٢) ، فاختفى ابن مقلة.

فاستوزر القاهر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله (٣) ،

[إحراق دار ابن مقلة]

وأحرقت دار ابن مقلة ، كما أحرقت قبل هذه المرّة (٤).

[هرب ابن ياقوت إلى فارس]

وهرب محمد بن ياقوت إلى فارس ، فكتب إليه بعهده على أصبهان (٥).

__________________

(١) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٧ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦٤ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٥٢ ـ ٢٥٤ ، تاريخ مختصر الدول ١٦٠ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١١ ، ١١٢ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٢ ، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٣٩٣ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٨.

(٢) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٧ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦١ ـ ٢٦٤ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٥٥ ، ٢٥٦ ، تاريخ مختصر الدول ١٥٩ ، ١٦٠ ، زبدة الحلب ١ / ٩٧ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٢ ، ١١٣ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٧٧ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٣ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٨.

(٣) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٨ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦٤ ، ٢٦٥ ، تاريخ حلب للعظيميّ ٢٨٦ وفيه «أبو جعفر بن القاسم بن سليمان» ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٥٦ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٥ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٧٧ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٨.

(٤) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٨ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦٥ ، المنتظم ٦ / ٢٥٠ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٥٦ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٣ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٨.

(٥) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٨ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦٥ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٣.

٧

[حجابة الطولوني]

وقلّد سلامة الطولونيّ الحجابة (١).

[القبض على ابن المكتفي]

وقبض على أبي أحمد بن المكتفي وطيّن عليه بن حيطتين ، ونهب القاهر دور المخالفين (٢).

[ذبح بليق ومؤنس]

ثمّ إنّه ظفر بعليّ بن بليق بعد جمعة ، فحبسه بعد الضّرب (٣) ، فاضطرب رجال مونس (٤) وشغبوا ، وقصدوا دار الوزير محمد بن القاسم وأحرقوا بعض داره في ثامن عشر شعبان. فدخل القاهر إلى مونس وبليق وابنه ، فأمر بذبح بليق وابنه ، وذبح بعدهما مونسا ، وأخرجت رءوسهم إلى النّاس وطيف بها (٥).

وكان على مونس دماغ هائل (٦).

[ذبح يمن وابن زيرك]

ثم ذبح يمن وابن زيرك (٧).

__________________

(١) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٨ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦٥ ، ٢٦٦ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٦٠ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٣.

(٢) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٨ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦٦ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٦٠ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٣ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٧٧ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٣ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٣ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٦.

(٣) انظر في ذلك : تجارب الأمم ٥ / ٢٦٦ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٦٠ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٣.

(٤) في تجارب الأمم ١ / ١٦٧ ، «اضطرب حال مونس ويلبق وشغبوا».

(٥) تكملة تاريخ الطبري ١ / ٧٨ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٦٧ ، ٢٦٨ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ١٣ ، ١٤ ، الإنباء في تاريخ الخلفاء ١٦٢ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٦٠ ، ٢٦١ ، تاريخ مختصر الدول ١٦٠ ، خلاصة الذهب المسبوك ٢٤٤ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٤ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٧٧ ، ٧٨ ، دول الإسلام ١ / ١٩٥ ، العبر ٢ / ١٨٥ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٣ ، ٢٦٤ ، مرآة الجنان ٢ / ٢٨١ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٣ ، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٣٩٤ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٨ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٦.

(٦) قال الهمدانيّ : «وكال وزن رأس مونس بعد تفريغ دماغه ستة أرطال». (تكملة تاريخ الطبري ١ / ٧٨) وانظر : تجارب الأمم ٥ / ٢٦٨.

(٧) دول الإسلام ١ / ١٩٥ ، العبر ٢ / ١٨٥.

٨

ثمّ أطلقت أرزاق الجند فسكنوا (١).

[تلقيب القاهر بالمنتقم]

واستقامت الأمور للقاهر ، وعظم في القلوب ، وزيد في ألقابه : «المنتقم من أعداء دين الله». ونقش ذلك على السّكّة (٢).

ثمّ أحضر عيسى الطّبيب من الموصل (٣).

وأمر أن لا يركب في طيّار سوى الوزير والحاجب ، والقاضي ، وعيسى الطّبيب.

[تقليد ابن كيغلغ مصر]

وفيها خلع القاهر على أحمد بن كيغلغ ، وقلّده مصر.

[تحريم الخمر والقيان]

وفيها أمر القاهر بتحريم القيان والخمر ، وقبض على المغنّين ، ونفى المخانيث ، وكسر آلات اللهو. وأمر ببيع المغنّيات من الجواري على أنّهم سواذج (٤). وكان مع ذلك يشرب المطبوخ والسّلاف ، ولا يكاد يصحو من السّكر ، ويختار القينات ويسمعهنّ (٥).

[وزارة ابن الخصيب]

وفيها عزل القاهر الوزير محمدا ، واستوزر أبا العبّاس بن الخصيب (٦).

__________________

(١) تاريخ الخلفاء ٣٨٦.

(٢) نهاية الأرب ٢٣ / ١١٤ ، مآثر الإنافة ١ / ٢٨٣ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٩ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٦.

(٣) نهاية الأرب ٢٣ / ١١٣.

(٤) السواذج : غير البالغات. (لسان العرب ٣ / ١٢١).

(٥) تجارب الأمم ٥ / ٢٦٩ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ١٤ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٧٣ ، تاريخ الزمان ٥٥ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٦ ، مرآة الجنان ٢ / ٢٨١ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٢ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٩ ، تاريخ الحلفاء ٣٨٦.

(٦) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧٩ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٧٠ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٦٢ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٥ ، العبر ٢ / ١٨٥ ، دول الإسلام ١ / ١٩٥ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٤ وفيه «الحصيني» وهو تصحيف ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٣ ، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٣٩٤ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٩.

٩

[الحجّ هذا الموسم]

وحجّ بالنّاس مؤنس الورقانيّ (١).

[وفاة الطحاوي]

وفيها توفّي أبو جعفر الطّحاويّ شيخ الحنفيّة (٢).

[وفاة الأمير تكين]

وفي ربيع الأوّل توفّي أمير مصر أبو منصور تكين الخاصّة بمصر وحمل إلى بيت المقدس ، وقام بعده بالأمر ابنه محمد يسيرا (٣).

[ولاية ابن طغج]

ثمّ ولي محمد بن طغج.

[ولاية ابن كيغلغ]

وعزل بابن كيغلغ بعد اثنتين وثلاثين يوما (٤)

[القضاء في مصر]

وقدم على قضاء مصر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة ، ثم ، صرف بعد شهرين ونصف (٥).

[وفاة أمّ المقتدر]

وفيها توفّيت شغب أمّ المقتدر كما قدّمنا (٦).

__________________

(١) مآثر الإنافة ج ١ / ٢٨٣ وليس فيه اسم أمير الحاجّ ، وهو في : النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٩ و ٢٤٥.

(٢) المختصر في أخبار البشر ٢ / ٧٨ ، العبر ٢ / ١٨٦ ، دول الإسلام ١ / ١٩٥ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٥ ، مرآة الجنان ٢ / ٢٨١ ، تاريخ الخميس ٢ / ٣٩١ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٩ ، بدائع الزهور ج ١ ق ١ / ١٧٥.

(٣) الولاة والقضاة للكندي ٢٨١ ، ولاة مصر ، له ٢٩٨ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٥٨ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ١١ ، ١٢ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٧٣ ، العبر ٢ / ١٨٦ ، دول الإسلام ١ / ١٩٥ ، بدائع الزهور ج ١ ق ١ / ١٧٥.

(٤) ولاة مصر ٢٩٩ ، ٣٠٠ ، الولاة والقضاة ٢٨١ ، ٢٨٢ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٧ ، ٢٣٨ ، بدائع الزهور ج ١ ق ١ / ١٨٦.

(٥) الولاة والقضاة ٥٤٦ نقلا عن : رفع الإصر ١٣ ب.

(٦) المختصر في أخبار البشر ٢ / ٧٧ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٩.

١٠

وكان دخل مغلّها في العام ألف ألف دينار ، فتتصدّق بها ، وتخرج من عندها مثلها. وكانت صالحة. ولمّا قتل ابنها كانت مريضة ، فعظم جزعها ، وامتنعت من الأكل حتّى كادت تهلك. ثمّ عذّبها القاهر ، فحلفت أنّه ما عندها مال ، فقيل : ماتت في العذاب معلّقة ، وقيل لا.

ولم يظهر لها إلّا ما قيمته مائة وثلاثون ألف دينار لا غير. وكان لها الأمر والنّهي في دولة ابنها (١).

[ترجمة مؤنس الخادم]

وقد ذكرنا قتل مؤنس الخادم الملقّب بالمظفّر ، وكان شجاعا فاتكا مهيبا ، عاش تسعين سنة ، منها ستّون سنة أميرا. وكان كلّ ما له (٢) في علوّ ورفعة.

كان قد أبعده المعتضد إلى مكّة ، ولمّا بويع المقتدر أحضره وفوّض إليه الأمور. وقد مرّ من أخباره (٣).

[تغلّب الرّوم على الرساتيق]

وفيها غلبت الرّوم على رساتيق ملطية وسميساط ، وصار أكثر البلد في أيديهم.

__________________

(١) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ١ / ٧١ ، ٧٢ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ٥ ، تاريخ الزمان لابن العبري ٥٤ ، ٥٥ ، مختصر التاريخ لابن الكازروني ١٧٦ ، خلاصة الذهب المسبوك ٢٤١ و ٢٤٣ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٣٩.

(٢) في الأصل : «كلما له» ، والمثبت عن : النجوم الزاهرة.

(٣) النجوم الزاهرة ٢ / ٢٣٩.

١١

سنة اثنتين وعشرين

[ظهور الدّيلم]

فيها ظهرت الدّيلم ، وذاك لأنّ أصحاب مرداويخ (١) دخلوا أصبهان ، وكان من قوّاده عليّ بن بويه. فاقتطع مالا جليلا وانفرد عن مخدومه.

ثمّ التقى هو ومحمد بن ياقوت ، فهزم محمدا واستولى على فارس (٢).

وكان بويه فقيرا صعلوكا يصيد السّمك ، رأى أنّه بال ، فخرج من ذكره عمود نار. ثمّ تشعّب العمود حتّى ملأ الدّنيا. فقصّ رؤياه على معبّر ، فقال : لا أعبّرها إلّا بألف درهم.

فقال : والله ما رأيت عشرها ، وإنّما أنا صيّاد.

ثمّ مضى وصاد سمكة فأعطاه إيّاها ، فقال له : ألك أولاد؟ قال : نعم.

قال : أبشر فإنّهم يملكون الدّنيا ، ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت النّار الّتي رأيتها (٣).

__________________

(١) يرد في المصادر «مرداويخ» ومزداويخ» ، بالراء المهملة والزاي المنقوطة ، و «مرداويج» بالجيم المنقوطة في الآخر كما في : تجارب الأمم ٥ / ٢٧٥ وما بعدها. انظر عنه : الأوراق للصولي ٢٠ و ٦٢ ، وقال ابن الوردي «مرداويج» : بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملتين ثم ألف وواو ممالة وياء مثنّاة تحت وجيم. فارسيّة معناها : معلّق الرجال. (تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٧).

(٢) تكملة تاريخ الطبري ٨٨ وفيه «مزداويج» ، وسيعاد الخبر مفصّلا ، تجارب الأمم ٥ / ٢٧٩ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٤٤.

(٣) انظر رواية مختلفة في : تاريخ حلب ٢٨٧ ، ورواية مفصّلة في : المنتظم ٦ / ٢٦٨ ، والكامل في=

١٢

وكان معه أولاده عليّ ، والحسن ، وأحمد.

* * *

ثمّ مضت السّنون ، وخرج بولده إلى خراسان ، فخدموا مرداويخ بن زيار الدّيلميّ ، إلى أن صار عليّ قائدا ، فأرسله يستخرج له مالا من الكرج ، فاستخرج خمسمائة ألف درهم (١) ، فأخذ المال وأتى همدان ليملكها ، فغلّق أهلها في وجهه الأبواب ، فقاتلهم وفتحها عنوة وقتل خلقا.

ثم صار إلى أصبهان وبها المظفّر بن ياقوت (٢) ، فلم يحاربه وسار إلى أبيه بشيراز. ثمّ صار إلى أرّجان (٣) ، فأخذ الأموال (٤) ، وتنقّل في النّواحي ، وانضمّ إليه خلق ، وصارت خزائنه خمسمائة ألف دينار (٥). فجاء إلى شيراز وبها ابن ياقوت ، فخرج إليه في بضع عشر ألفا ، وكان عليّ بن بويه في ألف رجل ، فهابه عليّ وسأله أن يفرج له عن الطّريق لينصرف ، فأبى عليه ، فالتقوا فانكسر عليّ ، ثمّ انهزم ابن ياقوت ، ودخل عليّ شيراز (٦).

ثمّ إنّه قلّ ما عنده فنام على ظهره ، فخرجت حيّة من سقف المجلس ، فأمر بنقضه ، فخرجت صناديق ملأى ذهبا ، فأنفقها في جنده (٧).

__________________

= التاريخ ٨ / ٢٦٦ ، وتاريخ مختصر الدول ١٦٠ ، ١٦١ ، الفخري ٢٧٧ / ٢٧٨ ، وخلاصة الذهب المسبوك ٢٤٥ ، ٢٤٦ ، والبداية والنهاية ١١ / ١٧٣ ، ١٧٤ ، النجوم الزاهرة ١ / ٢٤٥ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٧.

(١) تجارب الأمم ٥ / ٢٩٦ ، تاريخ مختصر الدول ١٦١ ، الفخري ٢٧٨ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٧.

(٢) في تجارب الأمم ٥ / ٢٧٩ «أبو الفتح بن ياقوت» ، وفي ١ / ٢٩٦ ، «المظفر بن ياقوت» ، وهما واحد ، خلاصة الذهب المسبوك ٢٤٨ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٧٨ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٤.

(٣) وبها «أبو بكر بن ياقوت» كما في : تجارب الأمم ٥ / ٢٨٠ ، والمختصر في أخبار البشر ٢ / ٧٩ ، وتاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٤.

(٤) قال مسكويه في تجارب الأمم ١ / ٢٩٧ : «واستخرج من مال أرّجان نحو ألفي ألف درهم».

(٥) تجارب الأمم ٥ / ٢٩٧.

(٦) تكملة تاريخ الطبري ١ / ٨٨ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٨١ ـ ٢٨٣ و ١ / ٢٩٧ ، ٢٩٨ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ٢١ و ٣٣ ، تاريخ مختصر الدول ١٦١ ، خلاصة الذهب المسبوك ٢٤٩ ، ٢٥٠.

(٧) تكملة تاريخ الطبري ١ / ٨٩ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٩٨ ، ٢٩٩ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ٣٣ ، المنتظم ٦ / ٢٨١ ، خلاصة الذهب المسبوك ٢٥١ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٧ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٧.

١٣

وأضاق مرّة فطلب خيّاطا يخيط له ، وكان أطروشا ، فظنّ أنّه قد سعي به ، فقال : والله ما عندي سوى اثني عشر صندوقا ، لا أعلم ما فيها. فأمر عليّ بإحضارها ، فوجد فيها مالا عظيما فأخذه (١).

وركب يوما ، فساخت قوائم فرسه ، فحفروه فوجد فيه كنزا (٢).

واستولى على البلاد ، وخرجت خراسان وفارس عن حكم الخلافة.

وسيأتي من أخبار هؤلاء الثّلاثة الإخوة ، وأنّ المستكفي بالله لقّب عليّا «عماد الدّولة». أبا شجاع ، ولقّب الحسن «ركن الدّولة» ، ولقّب أحمد «معزّ الدّولة». وملكوا الدّنيا سنين (٣).

[قتل أبي السّرايا والنوبختيّ]

وفيها قتل القاهر أبا السّرايا نصر بن حمدان وإسحاق بن إسماعيل النّوبختيّ الّذي كان قد أشار بخلافة القاهر ، ألقاهما على رءوسهما في بئر وطمّت وكان ذنبهما أنّهما فيما قيل زايدا القاهر قبل الخلافة في جاريتين واشترياهما ، فحقد عليهما (٤).

[وفاة الورقانيّ]

ومات مؤنس الورقانيّ الّذي حجّ بالنّاس (٥).

__________________

(١) تكملة تاريخ الطبري ١ / ٨٩ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٩٩ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ٣٣ ، المنتظم ٦ / ٢٧١ ، خلاصة الذهب المسبوك ٢٥١ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٧ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٧.

(٢) المنتظم ٦ / ٢٧١ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٧ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٧.

(٣) الإنباء في تاريخ الخلفاء ١٦٤ ، المنتظم ٦ / ٢٧٠ ، الفخري ٢٧٧ ، مآثر الإنافة ١ / ٢٨٤.

(٤) انظر التفاصيل في : تجارب الأمم ٥ / ٢٨٤ ، ٢٨٥ ، والكامل في التاريخ ٨ / ٢٦١ ، وخلاصة الذهب المسبوك ٢٤٤ (باختصار شديد) و ٢٥٢ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٨١ ، دول الإسلام ١ / ١٩٥ ، العبر ٢ / ١٨٩ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٣٦٦ ، ٢٦٧ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٧ ، ١٧٨ ، مآثر الإنافة ١ / ٢٨٣ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٤٥ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٧.

(٥) النجوم الزاهرة ٣ / ٢٤٥.

١٤

[رواية ابن سنان عن القاهر]

وقال ثابت بن سنان : كان أبو عليّ بن مقلة في اختفائه يراسل السّاجيّة والحجريّة ويضربهم على القاهر ويوحشهم منه. وكان الحسن بن هارون كاتب بليق يخرج باللّيل في زيّ المكدّيّين (١) أو النّساء (٢) فيسعى إلى أن اجتمعت كلمتهم على الفتك بالقاهر. وكان يقول لهم : قد بنى (٣) لكم المطامير ليحبسكم. وألزموا منجّم سيما (٤) حتّى كان يقول له : إنّ القاهر يقبض عليك.

وهاجت الحجريّة وقالوا : أتريد أن تحبسنا في المطامير؟

فحلف القاهر أنّه لم يفعل ، وإنّما هذه حمّامات للحرم (٥).

وحضر الوزير ابن خصيب وعيسى المتطبّب عند القاهر ، فقال لسلامة الحاجب : اخرج فاحلف لهم. ففعل ، فسكنوا.

[القبض على القاهر]

ثمّ بكّروا على الشّر إلى دار القاهر ، وكان نائما سكرانا إلى أن طلعت الشّمس ، ونبّهوه فلم ينتبه لشدّة سكره ، وهرب الوزير في زيّ امرأة ، وكذا سلامة الحاجب. فدخلوا بالسّيوف على القاهر ، فأفاق من سكره ، وهرب إلى سطح حمّام فاستتر ، فأتوا مجلس القاهر وفيه عيسى الطّبيب ، وزيرك الخادم ، واختيار القهرمانة ، فسألوهم ، فقالوا : ما نعرف له خبرا. فرسّموا عليهم. ووقع في أيديهم خادم له فضربوه ، فدلّهم عليه ، فجاءوه وهو على السّطح وبيده سيف مسلول ، فقالوا : انزل. فامتنع ، فقالوا : نحن عبيدك فلم تستوحش منّا؟ فلم

__________________

(١) المكدّيّين : من تكدّى تكدّيا : تسوّل وتكلّف التكدية.

(٢) في : تجارب الأمم ٥ / ٢٨٦ : «وهو يتزيّا بزيّ السّؤال ، وفي يده زبيل ، وفي وقت بزيّ النساء» ، وانظر : تاريخ مختصر الدول ١٦١.

(٣) في الأصل : «قد بنا».

(٤) في تجارب الأمم ٥ / ٢٨٦ «منجّم كان لسيما». و «سيما» هو : «سيما المناخلي» كما في كتاب «الأوراق» للصولي ، وهو رئيس السّاجيّة ، كما في نهاية الأرب ٢٣ / ١١٧.

(٥) تجارب الأمم ٥ / ٢٨٧.

١٥

ينزل. ففوّق واحد منهم سهما وقال : انزل وإلّا قتلتك. فنزل إليهم ، فقبضوا عليه في سادس جمادى الآخرة (١).

[خلافة الراضي]

وأخرجوا أبا العبّاس محمد بن المقتدر وأمّه ، وبايعوه بالخلافة ولقّبوه الرّاضي بالله ، فأحضر عليّ بن عيسى وأخاه عبد الرحمن واعتمد على رأيهما (٢) وأدخل عليّ بن عيسى ، والقاضي أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف ، والقاضي أبو محمد الحسن بن عبد الله بن أبي الشّوارب ، والقاضي أبو طالب بن البهلول على القاهر ، فقال له طريف اليشكريّ (٣) : ما تقول؟

قال : أنا أبو منصور محمد بن المعتضد ، لي في أعناقكم بيعة وفي أعناق النّاس ، ولست أبرّئكم ولا أحلّكم منها ، فقوموا (٤) فقاموا ، فلمّا بعدوا قال القاضي لطريف : وأيّ شيء كان مجيئنا إلى رجل هذا اعتقاده؟

فقطّب عليّ بن عيسى وقال : يخلع ولا يفكّر فيه. أفعاله مشهورة.

قال القاضي أبو الحسين : فدخلت على الرّاضيّ وأعدت ما جرى سرّا ، وأعلمته بأنّي أرى إمامته فرضا. فقال : انصرف ودعني وإيّاه. وأشار سيما مقدّم

__________________

(١) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ٨٠ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٨٦ ـ ٢٨٩ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ٢٢ ـ ٢٥ ، الإنباء في تاريخ الخلفاء ١٦٢ وفيه أن أبا محمد الحسن بن أبي الهيجاء بن حمدان الّذي تلقّب أخيرا بناصر الدولة هو الّذي واطأ جماعة من الغلمان الساجية والحجرية ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٧٩ ـ ٢٨١ ، تاريخ مختصر الدول ١٦١ ، خلاصة الذهب المسبوك ٢٤٤ ، ٢٤٥ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١١٧ ، ١١٨ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٨٠ ، العبر ٢ / ٨٩ ، دول الإسلام ١ / ١٩٥ ، ١٩٦ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٦ ، البداية والنهاية ١١ / ١٧٨ ، تاريخ الخميس ٢ / ٣٩٢ ، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٣٩٦ ، ٣٩٧ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٧.

(٢) تجارب الأمم ٥ / ٢٩٠ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٨٢ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١٢١ ، ١٢٢.

(٣) في تجارب الأمم ٥ / ٢٩١ «طريف السّبكريّ» ، ومثله في : الكامل في التاريخ ، وغيره ، وفي تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٦ «السنكري».

(٤) العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ٢٥ ، مآثر الإنافة ١ / ٢٨٢.

١٦

الحجريّة على الرّاضى بسمله. فأرسل سيما وطريفا إلى البيت الّذي فيه القاهر ، فكحّل بمسمار محمّى (١).

[وزارة ابن مقلة]

ثمّ طلب الرّاضيّ من عليّ بن عيسى أن يلي الوزارة ، فامتنع ، فقال :

يتولّى أخوك عبد الرحمن. فقال : لا.

فاستوزر ابن مقلة بعد أن كتب له أمانا (٢).

[سبب خلع القاهر]

وقال محمود الأصبهانيّ : كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفكه الدّماء. فامتنع عليهم من الخلع فسملوا عينيه حتّى سالتا على خدّيه. وكانت خلافته سنة ونصفا وأسبوعا.

وقال الصّوليّ : كان أهوج ، سفّاكا للدّماء ، قبيح السّيرة ، كثيرة التّلوّن والاستحالة ، مدمن الخمر. ولو لا جودة حاجبه «سلامة» (٣) لأهلك الحرث والنّسل.

وكان قد صنع أحربة يحملها فلا يطرحها حتّى يقتل بها إنسانا (٤).

__________________

(١) تكملة تاريخ الطبري للهمداني ٨١ ، ٨٢ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٩١ ، ٢٩٢ ، تاريخ حلب ٢٨٧ ، الإنباء في تاريخ الخلفاء ١٦٢ ، تاريخ الزمان ٥٥ ، الفخري ٢٧٦ ، مختصر التاريخ لابن الكازروني ١٧٦ ، خلاصة الذهب المسبوك ٢٤١ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٦ ، تاريخ الخميس ٢ / ٣٩٢ ، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٣٩٧ ، مآثر الإنافة ١ / ٢٨٢ ، النجوم الزاهرة ٣ / ٢٤٥ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٧ ، ٣٨٨.

(٢) تكملة تاريخ الطبري ١ / ٨٢ ، تجارب الأمم ٥ / ٢٩٣ ، العيون والحدائق ج ٤ ق ٢ / ٢٧ ، تاريخ حلب ٢٨٧ ، الإنباء في تاريخ الخلفاء ١٦٢ و ١٦٣ ، الكامل في التاريخ ٨ / ٢٨٣ ، تاريخ مختصر الدول ١٦٢ ، الفخري ٢٧٦ ، خلاصة الذهب المسبوك ٢٤٢ و ٢٥٣ ، نهاية الأرب ٢٣ / ١٢٢ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٨٠ ، دول الإسلام ١ / ١٩٦ ، العبر ٢ / ١٨٩ ، تاريخ ابن الوردي ١ / ٢٦٦ ، مآثر الإنافة ١ / ٢٨٧.

(٣) هو : سلامة المؤتمن المعروف بأخي نجح. (التنبيه والإشراف ٣٣٦) ،

(٤) مروج الذهب ٤ / ٣١٣ ، العبر ٢ / ١٨٩ ، ١٩٠ ، دول الإسلام ١ / ١٩٦ ، تاريخ الخميس ٢ / ٣٩٢ ، تاريخ الخلفاء ٣٨٨.

١٧

[سؤال القاهر عن خلفاء بني العباس]

وقال محمد بن عليّ الخراسانيّ (١) : أحضرني القاهر يوما والحربة بين يديه ، فقال : قد علمت حالي إذا وضعت هذه.

فقلت : الأمان.

فقال : على الصّدق.

قلت : نعم.

قال : أسألك عن خلفاء بني العبّاس في أخلاقهم وسيمتهم.

قلت : أمّا السّفّاح ، فكان مسارعا إلى سفك الدّماء. سفك ألف دم ، واتّبعه عمّاله على ذلك ، مثل محمد بن الأشعث بالمغرب ، وعمّه صالح بن عليّ بمصر ، وخازم بن خزيمة ، وحميد بن قحطبة. وكان مع ذلك سمحا بحرا ، وصولا بالمال.

قال : فالمنصور؟

قلت : كان أوّل من أوقع الفرقة بين ولد العبّاس وولد أبي طالب. وكانوا قبله متّفقين. وهو أوّل خليفة قرّب المنجّمين وعمل بقولهم. وكان عنده نوبخت المنجّم ، وعليّ بن عيسى الأصطرلابيّ. وهو أوّل خليفة ترجمت له الكتب السّريانيّة والأعجميّة ككتاب «كليلة ودمنة» ، وكتاب أرسطاطاليس في المنطق ، وإقليدس ، وكتب اليونان. فنظر النّاس فيها وتعلّقوا بها. فلمّا رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسّير. والمنصور أوّل من استعمل مواليه وقدّمهم على العرب.

قال : فما تقول في المهديّ؟

قلت : كان جوادا عادلا منصفا. ردّ ما أخذ أبوه من أموال النّاس غصبا ، وبالغ في إتلاف الزّنادقة وأحرق كتبهم لمّا أظهروا المعتقدات الفاسدة كابن ديصان ، وماني ، وابن المقفّع ، وحمّاد عجرد. وبنى (٢) المسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، ومسجد بيت المقدس.

قال : فالهادي؟

__________________

(١) هو : محمد بن علي العبديّ الخراساني الأخباريّ ، وقوله في : مروج الذهب ٤ / ٣١٣ ـ ٣٢٠ ، ونقله السيوطي في : تاريخ الخلفاء ٣٨٨ ، ٣٨٩.

(٢) في الأصل : «بنا».

١٨

قلت : كان جبّارا متكبّرا ، فسلك عمّاله طريقه على قصر أيّامه.

قال : فالرّشيد؟

قلت : كان مواظبا على الجهاد والحجّ ، وعمّر القصور والبرك بطريق مكّة ، وبنى الثغور كأذنة ، وطرسوس ، والمصيصة ، وعين زربة ، والحدث ، ومرعش.

وعمّ النّاس إحسانه. وكان في أيّامه البرامكة وما اشتهر من كرمهم. وهو أوّل خليفة لعب بالصّوالجة ورمى النّشّاب في البرجاس ، ولعب الشّطرنج من بني العبّاس.

وكانت زوجته بنت عمّه أمّ جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور من أكمل النّساء. وقفت الأوقاف وعملت المصانع والبرك ، وفعلت وفعلت.

قال : فالأمين؟

قلت : كان جوادا ، إلّا أنّه انهمك في لذّاته ففسدت الأمور.

قال : فالمأمون؟

قلت : غلب عليه الفضل بن سهل ، فاشتغل بالنّجوم ، وجالس العلماء.

وكان حليما جوادا.

قال : فالمعتصم؟

قلت : سلك طريقه ، وغلب عليه حبّ الفروسيّة ، والتّشبّه بملوك الأعاجم ، واشتغل بالغزو والفتوح.

قال : فالواثق؟

قلت : سلك طريقة أبيه.

قال : فالمتوكّل؟

قلت : خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقادات ، ونهى عن الجدل والمناظرات في الأهواء ، وعاقب عليها. وأمر بقراءة الحديث وسماعه ، ونهى عن القول بخلق القرآن ، فأحبّه النّاس.

ثمّ سأل عن باقي الخلفاء ، وأنا أجيبه بما فيهم ، فقال لي : قد سمعت كلامك وكأنّي مشاهد القوم. وقام على أثري والحربة بيده ، فاستسلمت للقتل ، فعطف على دور الحرم (١).

__________________

(١) في مروج الذهب ٤ / ٣٢٠ «ثم عطف نحو دار الخدم».

١٩

[رواية المسعودي عن القاهر]

وقال المسعوديّ (١) : أخذ القاهر من مؤنس وأصحابه أموالا كثيرة ، فلمّا خلع وسمل طولب بها. فأنكر ، فعذّب بأنواع العذاب ، فلم يقرّ بشيء. فأخذه الراضي بالله فقرّبه وأدناه وقال له : قد ترى مطالبة الجند بالمال ، وليس عندي شيء ، والّذي عندك فليس بنافع لك ، فاعترف به.

فقال : أمّا إذا فعلت هذا فالمال مدفون في البستان ، وكان قد أنشأ بستانا فيه أصناف الشّجر حملت إليه من البلاد ، وزخرفه وعمل فيه قصرا ، وكان الرّاضي مغرما بالبستان والقصر ، فقال : وفي أيّ مكان المال منه؟ فقال : أنا مكفوف لا أهتدي إلى مكان ، فاحفر البستان تجده.

فحفر الرّاضي البستان وأساسات القصر ، وقلع الشجر ، فلم يجد شيئا.

فقال له : وأين المال؟

فقال : وهل عندي مال ، وإنّما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعّمك ، فأردت أن أفجعك فيه.

فندم الرّاضي وأبعده وحبسه (٢). فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين.

ثمّ أخرج إلى دار ابن طاهر ، فكان تارة يحبس ، وتارة يطلق. فوقف يوما بجامع المنصور بين الصّفوف وعليه مبطّنة بيضاء وقال : تصدّقوا عليّ ، فأنا من قد عرفتم. وكان مقصوده أن يشنّع على المستكفي ، فقام إليه أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشميّ ، فأعطاه خمسمائة درهم.

وقيل : ألف درهم ، ثمّ منع من الخروج. وعاش إلى سنة تسع وثلاثين خاملا. وعاش ثلاثا وخمسين سنة. وكان له من الولد عبد الصّمد ، وأبو القاسم ، وأبو الفضل ، وعبد العزيز (٣).

__________________

(١) رواية المسعودي عن القاهر أوردها في ضمن الحديث عن سيرة الخليفة الراضي ، في : مروج الذهب ٤ / ٣٣٥ ، ٣٣٦ ، ونقلها السيوطي في : تاريخ الخلفاء ٣٨٩ ، ٣٩٠.

(٢) إلى هنا تنتهي رواية المسعودي ، وقد نقلها المؤلّف الذهبيّ ـ رحمه‌الله ـ باختصار.

(٣) تاريخ الخلفاء ٣٩٠.

٢٠