أخبار الزّمان

أبو الحسن علي بن الحسين بن علي الهذلي المسعودي

أخبار الزّمان

المؤلف:

أبو الحسن علي بن الحسين بن علي الهذلي المسعودي

المحقق: المترجم:
الموضوع : التاريخ والجغرافيا الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
نسخة غير مصححة

١
٢

المكتبة الحيدرية

العراق ـ النجف الاشرف

١٣٨٦هـ. ١٩٦٦ م

٣
٤

٥

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة الناشر

انطلاقا بالرسالة التي أخذنا على عاتقنا تحقيقها منذ أول تأسيس دار الاندلس ، وهي الاسهام في إحياء التراث العربي القديم ، والسعي في إنعاش الحركة الثقافية عن طريق نشر الكتب المفيدة ، وما لقيناه من تشجيع وتقدير ، في طبعتنا الجديدة لكتاب (مروج الذهب) للمسعودي ...

نتقدم اليوم بمجهود يضيف إلى تلك السلسلة الطويلة حلقة جديدة ، وهو كتاب (أخبار الزمان) للمسعودي.

وسرور «دار الاندلس» هو أنها إذ تضع لبنة جديدة في صرح الثقافة العربية الخالصة من طريق إحياء التراث القديم ، وكل رجائها أن يكون التوفيق حليفها في المستقبل ،

والله من وراء القصد

٦

مقدمة الطبعة الاولى

بقلم عبد الله الصاوي

للمسعودي كتابان جليلان في التاريخ ، ، ظهر أولهما مروج الذهب في عدة طبعات تداولها اكثر علماء هذا الجيل ، فعرفوا من المسعودي عالما ، جليلا ، فلكيا ، حاسبا ، منجما ، جغرافيا ، أخباريا ، فقيها ، محدثا ، جدليا ، نظارا ، ديانيا ، مؤرخا ، نسابة ، فيلسوفا ، أديبا ، راوية.

وانه كان ملما بعدة لغات ، وكان ذا حظ وافر من الثقافات التي انتهى إليها علم الانسان ، منذ بدأ الله الخلق إلى عصره.

وظهر ثانيهما ، وهو التنبيه والاشراف في طبعة واحدة قبيل نهاية القرن التاسع بسبع عشرة سنة في مطبعة بريل بمدينة ليدن بهولانده ، ضمن المكتبة الجغرافية ، التي عني بنشرها البروفسور «دي جوجي».

ويندر أن يعرف علماء العصر الحاضر عن هذا الكتاب شيئا ، إذ لم يصدر منه سوى هذه الطبعة الاوربية ، وطبعات أوربا من الغلاء بحيث لا يستطيع الرجل المتوسط الثراء أن يقتنيها.

وقد قمت بنشر هذا الكتاب وسيذاع بين يدي الجمهور بعد بضعة أيام ، ريثما أتمم طبع فهارسه المطولة.

وسوف يرفع هذا الكتاب من منزلة مؤلفة العلامة المسعودي ، ويحله الذروة بين الرجال النابهين ، ذوي الثقافات الواسعة والمعلومات الكثيرة ،

٧

وسيرى العلماء قدرة المسعودي الفائقة وبراعته وعلمه الغزير الذي بدا لهم في ثنايا كتابه مروج الذهب ، سيرون أنه قد عاد فظهر فيه بأوضح وأجلى مما ظهر في صنوه المروج من قبل.

وكتاب «أخبار الزمان» هذا ، ثالث كتاب يبرزه عالم الطبع من مؤلفات ذلك الامام الكبير.

وقد يلاحظ من يقرأ كتاب مروج الذهب أو كتاب التنبيه والاشراف أن المسعودي أكثر من الثناء عليه ، وأحال عليه في مواضع كثيرة.

وأنه أوفى كتاب التاريخ ، وأوسع المراجع العلمية الاسلامية التي وضعت في أواسط العصر العباسي.

ويظهر أن المسعودي ضمنه كل ثروته العلمية ، إذ هو أول ما ألف من كتب ، ثم راعته ضخامة الكتاب ، فعمد إلى اختصاره عدة مرات ، ثم عمد إلى تلك الثروه العلمية الهائلة فبعثرها في كتبه ، وفرقها بين مصنفاته ، تفرقة عادلة ، وقسمة مرضية ، راعى فيها أن يكون في كل مؤلف منها ما يحببه إلى القراء ، ويرفع قدره ويسني منزلة بين العلماء.

فكثيرا ما يرى الباحث في كتب المسعودي أنه يعرض إلى إجمال بعض الموضوعات الطريفة ، والاحاديث الغريبة ، في مختلف العلوم والفنون في هذين الكتابين ، يلم بالموضوع إلمامة سريعة ، ثم يذكر أنه بسطه مفصلا ، وذكره بتمامه في كتاب «أخبار الزمان» فلا يزال الباحث يبحث عن ذلك الكتاب ضمن ما طبع أو ما لم يطبع ، وربما دعاه الشوق إلى البحث في مكاتب أوربا ، والمكاتب العامة الخاصة.

ثم لا تكون نتيجة هذا البحث إلا الخيبة والفشل ، والتحسر الدائم على ما فقد وضاع من تراث الآباء.

٨

ذلك كان موقفي عند ما قرأت مروج الذهب للمسعودي لاول مرة ، ولطالما أمضيت الايام في البحث ، وأضنيت النفس في التنقيب عن كتبه ، ولا سيما عن كتاب أخبار الزمان الذي هام به العلماء ، لا فراط المسعودي في تقريظه ، وإلماعه بما تضمنه من علوم وأبحاث مفيدة ـ اعتقدت أن في العثور عليه إشباعا لرغباتي العلمية ، بل ظننت أن سعادة العالم رهينة بما قد ضمنه ذلك الكتاب من حلول لمسائل علمية معقدة ، ومشكلات لم يصل العلم إلى حلها ، ولا سيما مسائله الفلسفية ، وما وراء الطبيعة ، وأخباره الطريفة.

ولم أكن فريدا في الشعور بتلك الحالة ، بل ذلك شأن كل من يقرأ كتب المسعودي ، أو يلم بها بعض الالمام.

ولقد حدثت أن مستشرقا استهواه علم المسعودي ، وأسلوبه الجذاب ، وفتنته إحالاته العجيبة ، فبحث أولا بنفسه ، ثم لجأ إلى حكومته فأمدته بالمال ، فظل يبحث ويتابع البحث ، حتى عثر على نسخة من كتاب «أخبار الزمان» في مدينة شنقيط بصحراء افريقية ، فرام شراءها ، وبذل فيها ثمنا عاليا ، فما سمحت أنفس الشناقطة ببيعها ، ولا رضوا أن يستبدلوها بالذهب الوفير.

فلما أعياه شراؤها عرض عليهم أن يصورها بالفتوغرافيا نظير مبلغ من المال جسيم ، فما اعاروا عرضه ذلك التفاتا ، بل منعوه النظر إليها والاستمتاع بها.

فرحل عنهم حقبة من الدهر ، ولما استيقن أن القوم قد أنسوا شخصه ، وما كان قد جاء لاجله ، عاد إليهم خائفا يترقب ، وقد عزم استنساخها ، فاكترى رجلا منهم عهد إليه باستنساخها.

٩

لكنهم إذ فطنوا إلى الامر ، لم يجدوا جزاءا لهذا المستشرق ـ الذي أحب العلم ، وضحى بوقته وراحته ولذاته في سبيله ، واستمات في تحصيل فكرة قد يصل نفعها إلى جميع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها ـ إلا القتل ، فذهب ضحية إحالات المسعودي ، والبحث عن كتبه!

وهذا الذي فعله المستشرق بعض ما يجب نحو كتاب «أخبار الزمان ، لان المسعودي أفرط في تقريظه والثناء عليه ، وقال إنه أوعى كتاب وأجمعه في التاريخ.

ولندع المسعودي يحدثنا عنه قال» أما بعد فانا صنفنا كتابنا في أخبار الزمان وقد قطعنا القول فيه على هيئة الارض ومدنها ، وعجائبها وبحارها وأغوارها ، وجبالها وأنهارها وبدائع معادنها ، وأصناف مناهلها وأخبار غياضها وجزائر البحار والبحيرات الصغار ، وأخبار الابنية المعظمة والمساكن المشرفة ، وذكر شأن المبدأ وأصل النسل وتباين الاوطان ، وما كان نهرا فصار بحرا ، وما كان بحرا فصار نهرا ، وما كان برا فصار بحرا على مرور الايام وكرور الدهور ، وعلة ذلك وسببه الفلكي ، وانقسام الاقاليم بخواص الكواكب ومعاطف الاوتاد ومقادير النواحي والآفاق ، وتباين الناس في التاريخ القديم ، واختلافهم في بدئه وأوليته من الهند وأصناف الملحدين ، وما ورد في ذلك عن الشرعيين وما نطقت به الكتب وورد على الديانيين.

ثم أتبعنا ذلك بأخبار الملوك الغابرة والامم الدائرة والقرون الخالية والطوائف البائدة على ممر سيرهم وأوقاتهم ، وتضيف أعصارهم من الملوك والفراعنة العادية والاكاسرة واليونانية ، وما ظهر من حكمهم ومقائل فلاسفتهم وأخبار ملوكهم وأخبار العناصر إلى ما في تضاعيف ذلك من أخبار الانبياء إلى أن أفضى الله بكرامته وشرف برسالته محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم.

١٠

فذكرنا مولده ومنشأه وبعثته وهجرته ومغازيه وسراياه إلى أوان وفاته واتصال الخلافة واتساق المملكة بزمن زمن ، ومقاتل من ظهر من الطالبين إلى الوقت الذي شرعنا فيه في تصنيف كتابنا هذا من خلافة المتقي لله أمير المؤمنين وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.

ثم أتبعناه بكتابنا الاوسط في الاخبار على التاريخ ، وما اندرج في السنين الماضية ، ومن لدن البدء إلى الوقت الذي عنده انتهى كتابنا الاعظم وما تلاه من الكتاب الاوسط ، رأينا إيجاز ما بسطناه واختصار ما وسطناه ، في كتاب لطيف نودعه لمع ما في ذينك للكتابين ، ضمناهما ، وغير ذلك من أنواع العلوم وأخبار الامم الماضية والاعصار الخالية مما لم يتقدم ذكره فيهما».

من هذه الالمامة الموجزة التي يذكرها المسعودي في صدر كتاب مروج الذهب يمكننا أن نلم بشئ عن كتاب أخبار الزمان للمسعودي.

ولو قارناه بكتابنا هذا الذي يزعم أنه للمسعودي وجدنا مفارقة كبيرة بين الكتابين ، فالذي يصفه المسعودي ، تأريخ عام مطول وهذا تاريخ خاص عن أصل الخلق وغرائب الارض والبحار والانهار وعجائبها ، ثم أخبار آدم وبعض الانبياء من بعده ، وملوك مصر وفتوحاتهم ، وفراعنتها وكهانها وسحرتها وآثارها ، فهذه مقارنة أولية تذلنا على أن كتاب أخبار الزمان غير هذا.

وأيضا نحن نعلم ان صفحات مروج الذهب تبلغ خمسمائة وألف صفحة فلو فرضنا أنه على النصف من أصله الكتاب الاوسط لكان أصله ثلاثة آلاف صفحة ، وسيكون كتاب أخبار الزمان إذا في ستة آلاف صفحة لان الكتاب الاوسط مختصر منه.

فما مبلغ هذا الذي بين أيدينا ، وعدد صفحاته مائتان وخمسون صفحة لا غير ، من هذا الذي تبلغ صفحاته ثلاثة آلاف على أقل تقدير.

١١

وسأورد أيضا بعض عبارات من مروج الذهب وإحالات فيه على كتاب اخبار الزمان نتبين منها صحة ما نذهب إليه.

١) قال المسعودي «ولمن سمينا من ملوك الحيرة أخبار وسيرة وحروب قد أتينا على ذكرها والغرر من مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان ...

فأغنى ذلك عن إعادته» ولو عدنا إلى كتابنا لنبحث عن ملوك الحيرة هؤلاء لم نر شيئا عنهم في كتابنا هذا.

٢) قال المسعودي : والفرق بينه (أي الفيل) وبين سائر أنواع الدواب ما يظهر من الفيل من الجزع عند ورود المياه من الغدران والانهار للشرب إذا كان الماء صافيا ، فانه يثيره ويكدره ويمنع من شربه حين صفائه ، وان ذلك يوجد في أكثر الخيل إذا وردت الماء وكان صافيا ضربته بأيديها فكدرته ، فتشرب حينئذ.

وتوافق الخيل الفيلة في هذا المعنى ، دون سائر الحيوانات ، وإن ذلك لمشاهدة صورها في الماء لصقالته وصفائه ، ولعلمها بذلك عند زوال كدره.

وإن الابل الاغلب منها يفعل ذلك ، ولمعان غير ذلك مما وصفنا من أن ما عظم من الحيوانات إذا رأى صورته منعكسة على صفاء الماء أعجبته لعظمها وحسنها ، وما بان له من حسن الهيئة عما دونه من أنواع الحيوان ، وليس يفعل ذلك من الحيوان غير ما ذكرنا من الخيل والابل.

وإن الفيل مع عظم جسمه ولطافة نفسه وخفة روحه وحسن تمييزه والمعرفة بوليه وعدوه من الناطقين وغيرهم ، وقبوله الرياضة تمتنع أنثاه ، كما تمتنع النوق إذا لقحت.

وليس شئ من الدواب يمتنع من السفاد من الاناث عند حملها إلا الفيلة والابل ، وهذا باب إن نحن تقصيناه وذكرنا ما فيه طال به الكتاب ، وخرج

١٢

عن حد الاختصار والايجاز ، وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا «أخبار الزمان».

فإذا نحن نقبنا في صفحات هذا الكتاب لم نجد عن ذلك شيئا.

٣) قال المسعودي : ثم اختلفت الكلمة بين اجناسهم (اي الصقالبة) فزال نظامهم وتحزبت أجناسهم وملك كل جنس منهم ملكا على حسب ما ذكرنا من ملوكهم لامور يطول ذكرها وقد أتينا على جمل من شرحها ، وكثير من مبسوطها في كتابنا (أخبار الزمان).

ونحن لا نجد فيه ذكر أمور يطول أو يقصر ، عن زوال ملك الصقالبة وتدهوره وانفراط أمر ملوكهم وتبدد جماعتهم وتحزب عصبتهم في هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

(٤) قال المسعودي : وأما الدلائل [على] أن السماء تدل على مثال الكرة وتدويرها بجميع ما فيه من الكواكب ، وأن الارض بجميع أجزائها من البر والبحر على قدر مثال الكرة ، وأن كرة الارض مثبتة في وسط السماء كالكرة وقدرها عند قدر السماء قدر النقطة في الدائرة صفرا ، ووصف الربع المسكون من الارض ، وما يعرض من دور الفلك ، واختلاف الليل والنهار ، ووصف المواضع التي تطلع الشمس فيها شهورا لا تغرب ، وتغرب شهورا لاتطلع.

فقد أتينا على وصف جميع ذلك وما اتضح عليه وما انتصب من البراهين وما قاله الناس في ذلك في كتابنا المترجم بكتاب «أخبار الزمان».

وهذا أيضا أنموذج رابع يوضح لنا بعض ما يتضمنه كتاب أخبار الزمان ، وحجتنا فيه اننا لا نجد من ذلك شيئا ابدا في هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

ولو أننا تتبعنا عبارات المسعودي في كتابيه المروج والتنبيه لنتبين بها

١٣

بعض ما كان يحويه كتاب أخبار الزمان لوجدنا أمامنا من العبارات ما يضيق به هذا المكان ، لكن في هذا ما يكفي لذي اللب.

(٥) وثمة دليل آخر وفرق يسير وهو إن لم يكن دقيقا إلا أننا نذكره من قبيل العرض والتدليل على أنه ليس كتاب أخبار الزمان الذي يذكره المسعودي ذلك أن اسمه جاء هكذا :

(كتاب أخبار الزمان ، ومن أباده الحدثان ، وعجائب البلدان ، والغامر بالماء والعمران).

وجاء اسم ذلك في مروج الذهب هكذا :

كتاب أخبار الزمان ، ومن أباده الحدثان من الامم الماضية والاجيال والممالك الدائرة.

وإذن فما نسب هذا الكتاب من كتاب أخبار الزمان ، وما صلته بالمسعودي؟

ذلك سؤال يخطر بعد ما أسلفناه من قول ، والواقع أن نسبة هذا الكتاب للمسعودي في غاية من القوة ، ذلك أننا لو ذهبنا نقيس ما جاء فيه من أخبار على ما جاء في كتب المسعودي المعتمد نسبتها إليه لوجدناه مطابقا لها في الجملة ولا نكاد نرى فيه اختلافا ، وبذلك نجزم بأنها آراء المسعودي ونقوله.

ولا يصح أن نذهب إلى أن الكتاب مختصر من كتابي المسعودي اللذين عرفناهما ، لان ما يورده فيه من اخبار يضعف بكثير جدا ما يذكره في المروج أو التنبيه ويربي على ما فيهما.

وأنا بعد ذلك أذهب إلى أن هذا الكتاب إما أن يكون اختصارا لجانب يسير من كتاب أخبار الزمان ، ولو لا ان الكتاب تام ، وقد عملت له خاتمة لقلت إنه قسم منه ، وكذلك قال الذين رأوه وفهرسوا الكتب العربية الخطية امثال برو كلمان وجولدزيهر.

١٤

كما لا يمكنني أن أجزم بأن الذي اختصره غير المسعودي ، وعلى أية حال فقد وجدنا التسمية على صدر النسخة الخطية المحفوظة بباريس ، والتي صورت عنها النسخة التي في المكتبة الملكية.

كما وجدت التسمية على صدر النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة تيمور باشا ، وفي كلتا النسختين يضاف الكتاب إلى المسعودي.

وأيا ما كان الكتاب للمسعودي أو غيره ، فالكتاب فيه أشياء غربية وأخبار طريفة تفيدنا كثيرا في معرفة التاريخ القديم بوجه عام والمصريين بوجه خاص ، ولو أن العلم الحديث يقفنا منها موقف الريبة والشك.

وسيجد القارئ فيه لذة لا تعدلها لذة ، وسيمضي في قراءته دون كد ولا ملل ، ، وسيعاود قراءته بعد ذلك مرات ، وهو بلا ريب منته إلى إحدى ثمرتين :

الاولى ـ أن الانسان فيما مضى وتصرم من الاجيال كان أقدر منه في هذه الحياة العصرية ، وأن السحر والكهانة لعبا دورا كبيرا في غابر الاحقاب ، وأن القدماء وصلوا في العلم بهما إلى غاية تتقاصر دونها أقصى الغايات.

الثمرة الثانية ـ أن قدماء المؤرخين كانوا ذوي خيال واسع ، قصاصين بارعين قادرين على أن يجسموا الخيال ، ويلبسوه ثوبا من الحقيقة محكم النسج.

وسيقف القراء منه على أن ما بلغه المصريون من الصناعة وعمارة الارض والفنون والعلوم والحكمة والبصر بالكيمياء لم تبلغه أمة من الامم ، وسيجدون فيه من العجائب التي أقامها المصريون بالهندسة أو السحر أعاجيب أدناها الاهرام هذه التي أفنت العصور ، ولم تبلها العصور.

وسيعلمون ان ليست هذه الاهرام وحدها التي أقامها القدماء آيات شاهدة لهم بالقوة والايد واتساق الملك الجبروت.

١٥

بل إن لقدماء المصريين آثارا أخرى جليلة أقاموها في مصر والاسكندرية ومنف وأطرافها وفي غيرها من الممالك والبلدان.

ذلك ما سيقف عليه القارئ الكريم في هذا الكتاب ، وفي هذا الكتاب سيستطيع من يعنيه البحث عن الآثار أن يعلم بوجه التقريب مدافن ومخابئ كثرا ملاها القدماء بالذهب والتحف وغرائب الجواهر والحلى ، ففي هذا الكتاب إشارات لتلك المواضع ، وهذه الاشارات وإن لم تحددها تلك المواضع بالدقة فهي تفيد عالم الآثار ، ولا سيما إذا استعان عليها بالعلم.

ونحن بعد أن ننشر هذا الكتاب سنرقب عن كثب ما يظهره لنا علامة مصر الاثري الفاضل الدكتور سليم حسن ، ونود أن يسمعنا رأيه فيما جاء بهذا الكتاب من آثار.

وفي الحق أن ما ذكر في هذا الكتاب يكاد لا يصدقه العقل ، بل يكاد ينفيه ، ولكن معول الدكتور الفاضل وما كشفه في السنين الماضية من آثار ، وما يكشفه الآن ، يجعلنا لا نرتاب أبدا في تقبل ما يحدثنا به المسعودي في هذا الكتاب.

على أن المؤلف نفسه يروي ما جاء فيه بتحفظ شديد ، بل يرويه على أنه خبر يرتاب فيه العقل ، ولكنا الآن أشد إيمانا بتصديق ما جاء فيه من المسعودي نفسه ، وذلك بفضل العلم الحديث ، وما وصل إليه علماء الآثار ، ومعهد الآثار في الجامعة المصرية.

ولن يضير هذا الكتاب شيئا ما ورد فيه من ذكر السحر والكهانة ، وأن مصر كانت عامرة بالسحرة ، فالقرآن الكريم يؤيد ذلك في كثير من سوره وهو يذكر السحرة في غير موضع ، فيذكرهم مع موسى وفرعون في مواضع كثيرة ، ويذكر هاروت وماروت وأنهما كانا يعلمان الناس السحر ، ويذكر

١٦

السحرة مع ملك سليمان ويذكر للرسول صلى الله عليه وسلم كيف يتعوذ من النفاثات في العقد ، وفي سيرة الرسول ما يفهمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحر ، وقد وضع الفقهاء عقوبة للساحر في الشريعة الاسلامية ، ويروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : تعلموا السحر ولا تعملوا به ، فهذه كلها دلائل ناطقة بحقيقة السحر والكهانة وأنها أشياء كانت معروفة مشتهرة بين القدماء.

ونحن وإن كنا الآن لا نشاهد شيئا من آثار السحر ، ولا من قوته ، فليس لنا أن ننكره ، وبين يدينا كتب مؤلفة في السحر تعد بالمئين ، فمحال أن تكون هذه الكتب ألفت على غير أساس ، وفي الحياة غرائب وأشياء معقدة هي كالسحر ، بل ان الحياة ومن فيها جميعا أشبه شئ بالسحر.

ومن الجائز أن يكون السحر علما ذهب بذهاب أهله ، لانهم كانوا به جد ضنين.

وقد أحصيت كتب المسعودي التي ذكرها في كتاب مروج الذهب وكتاب التنبيه والاشراف وأحال عليها أثبتها فيما يلي :

١) كتاب أخبار الزمان ، ومن أباده الحدثان من الامم الماضية ، والاجيال الخالية ، والممالك الدائرة وهذا وقسم منه.

٢) الكتاب الاوسط.

٣) كتاب مروج الذهب ، ومعادن الجوهر ، في تحف الاشراف من الملوك وأهل الدرايات.

٤) كتاب فنون المعارف ، وما جرى في الدهور السوالف.

٥) كتاب ذخائر العلوم ، وما كان في سالف الدهور.

٦) كتاب نظم الجواهر ، في تدبير الممالك والعساكر.

أخبار الزمان م (٢)

١٧

٧) كتاب الاستذكار ، لما جرى في سالف الاعصار.

٨) كتاب التنبيه والاشراف.

٩) كتاب نظم الاعلام ، في أصول الاحكام.

١٠) كتاب نظم الادلة ، في أصول الملة.

١١) كتاب المسائل والعلل ، في المذاهب والملل.

١٢) كتاب خزائن الدين ، وسر العالمين.

١٣) كتاب المقالات ، في أصول الديانات.

١٤) كتاب سر الحياة.

١٥) رسالة البيان في أسماء الائمة.

١٦) الاخبار المسعوديات.

١٧) كتاب وصل المجالس.

١٨) كتاب تقلب الدول ، وتغيير الآراء والملل

١٩) كتاب الابانة ، في أصول الديانة.

٢٠) كتاب مقاتل فرسان العجم.

٢١) كتاب الصفوة في الامامة.

٢٢) كتاب الاستبصار في الامامة.

٢٣) كتاب المبادئ التراكيب.

٢٤) كتاب الرؤوس السبعة.

٢٥) الزاهي.

٢٦) كتاب الدعاوي.

٢٧) كتاب الاسترجاع.

٢٨) كتاب مزاهر الاخبار ، وطرائف الاثار.

٢٩) كتاب الرؤيا والكمال.

١٨

٣٠) كتاب طب النفوس.

٣١) كتاب حدائق الاذهان ، في أخبار الرسول.

٣٢) كتاب القضايا والتجارب.

٣٣) كتاب الواجب في الفروض اللوازم.

٣٤) كتاب الزلف.

يظهر أن كتبه هذه كلها قد ضاعت ولم يقف العلماء على شئ منها سوى :

(١) مروج الذهب ، وهو أوسع ما طبع من مؤلفاته.

(٢) هذا القسم من كتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان.

(٣) كتاب التنبيه والاشراف ، وقد قمت بطبعه على النسخة المطبوعة في ليدن.

(٤) الكتاب الاوسط ، وفي مكتبة أكسفورد نسخة يظن انها هو.

١٩

للمسعودي

٣٤٥ أو ٣٤٦ ـ ٩٥٧

من هو؟

هو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي المعتزلي الشافعي ، من ذرية عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل.

فأما منشؤه فان الثقات من المؤرخين يروون انه نشأ في بغداد ، على أن ابن النديم يروي أنه من أهل المغرب ، فلعله شخص آخر ، أو لعل بعض أجداده نزحوا إلى المغرب.

وعلى أية حال فقد قضى زهرة شبابه في بغداد ، ولكنه غادر اقليم العراق وإرضاء لميوله واذواقه ، ورغبة منه في التجول ، فخرج عن بغداد سنة ٣٠١ ليقوم برحلة قيل انها استمرت أعواما ثلاثة ، وقد قضاها متنقلا بين ربوع فارس وكرمان.

ثم بعد ذلك جاب بلاد الهند وصيمور ، قطن أخيرا في مدينة بومباي حتى سنة ٣٠٤ ، ومن المحتمل أن يكون قد أقام حينذاك في جزيرة سيلان.

ومن ثم وصل إلى مدينة عمان ، ويمكن أن نستنتج أنه ذهب إلى قناطر ماليسية العجيبة العظيمة ، وشارف الصين.

ومع أنه خاطر بتلك الرحلة وخصص لها نفسه ووقته ، فانه تعمق في دراسات الحدود الاسلامية ، واستعان على ذلك بالآيات العلمية ، التي كانت معروفة في حياته.

٢٠