جواهر الكلام - ج ٤٠

الشيخ محمّد حسن النّجفي

جواهر الكلام - ج ٤٠

المؤلف:

الشيخ محمّد حسن النّجفي

المحقق: الشيخ محمود القوچاني المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

٥

٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد لله وصلى الله على محمد وآله‌

( كتاب القضاء )

بالمد وقد يقصر الذي هو لغة لمعاني كثيرة ربما أنهيت إلى عشرة : الحكم والعلم والاعلام ـ وعبر عنه بعضهم بالانهاء ـ والقول والحتم والأمر والخلق والفعل والإتمام والفراغ.

قال الله تعالى ( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ ) (١). ( إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ) (٢). ( وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ ) (٣). قيل : ومنه أيضا ( وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) (٤) والأولى جعله من الأول. ( فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ) (٥) أي حتمنا. ( وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ) (٦)

__________________

(١) سورة النساء : ٤ ـ الآية ٦٥.

(٢) سورة يوسف : ١٢ ـ الآية ٦٨.

(٣) سورة الحجر : ١٥ ـ الآية ٦٦.

(٤) سورة غافر : ٤٠ ـ الآية ٢٠.

(٥) سورة سبأ : ٣٤ ـ الآية ١٤.

(٦) سورة الإسراء : ١٧ ـ الآية ٢٣.

٧

( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ) (١). ( فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ) (٢). ( فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ) (٣). ( أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ) (٤). ( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) (٥) وإن كان يمكن إرجاع بعضها إلى بعض.

كما أنه يمكن إرجاع القضاء المقابل للأداء والموت وقضاء الدين ونحو ذلك إليها وإلا كانت زائدة

وفي القاموس « القضاء : الحكم والصنع والحتم والبيان ، وقضى : مات و. عليه : قتله ، و. وطره : أتمه وأدامه ، و. عليه عهدا : أوصاه وأنفذه ، و. إليه : أنهاه ، و. غريمه دينه أداه ، وسم قاض : قاتل ».

لكن قيل : ويسمى القضاء قضاء لأن القاضي يتم الأمر بالفصل ويمضيه ويفرغ منه.

وفيه أنه بمعنى الحكم ـ الذي أول المعاني في الصحاح والقاموس ـ أولى من ذلك ، بل في كشف اللثام « هو فصل الأمر قولا أو فعلا » والأمر سهل.

وعرفا ولاية الحكم شرعا لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معينين من البرية بإثبات الحقوق واستيفائها للمستحق ، كما في المسالك والتنقيح وكشف اللثام وغيرها ، بل في الأول منها نسبة تعريفه بذلك إليهم.

__________________

(١) سورة فصلت : ٤١ ـ الآية ١٢.

(٢) سورة طه : ٢٠ ـ الآية ٧٢.

(٣) سورة القصص : ٢٨ ـ الآية ٢٩.

(٤) سورة القصص : ٢٨ ـ الآية ٢٨.

(٥) سورة يوسف : ١٢ ـ الآية ٤١.

٨

وفي الدروس « ولاية شرعية على الحكم والمصالح العامة من قبل الامام عليه‌السلام » ولعله أولى من الأول ، ضرورة أعمية مورده من خصوص إثبات الحقوق كالحكم بالهلال ونحوه وعموم الصالح.

ولعل المراد بذكرهم الولاية ـ بعد العلم بعدم كون القضاء عبارة عنها ـ بيان أن القضاء الصحيح من المراتب والمناصب كالامارة ، وهو غصن من شجرة الرئاسة العامة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وخلفائه عليهم‌السلام وهو المراد من قوله تعالى (١) ( يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ ) إلى آخرها ، بل ومن الحكم في قوله تعالى (٢) : ( وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ).

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام لشريح (٣) : « قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي » وقال الصادق عليه‌السلام (٤) : « اتقوا الحكومة ، إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل بين المسلمين كنبي أو وصي ».

وبالجملة هي من مناصب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام الذين هم ولاة الأمر والمستنبطون ، وبه يشعر‌ قوله عليه‌السلام (٥) : « فاني قد جعلته قاضيا وحاكما » وقاضي التحكيم ليس من المناصب العامة.

وحينئذ فالمراد من الولاية في التعريف الأعم من كونها من الله أو‌

__________________

(١) سورة ص : ٣٨ ـ الآية ٢٦.

(٢) سورة مريم : ١٩ ـ الآية ١٢.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ٣ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٢.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ٣ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٣.

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ١ و ٦ إلا أن في الأول‌ « فإني قد جعلته عليكم حاكما » ‌وفي الثاني‌ « فإني قد جعلته عليكم قاضيا ».

٩

منهم أو خصوص ما كانت منهم كما هو مقتضى التعريف الثاني ، بل هو الظاهر من الأول أيضا.

هذا وقد ذكر غير واحد أن من خواصه عدم نقض الحكم فيه بالاجتهاد ، بل يجب على غيره من القضاة تنفيذه وإن خالف اجتهاده ما لم يخالف دليلا قطعيا ، وأن له ولاية على كل مولى عليه مع فقد وليه ومع وجوده في مواضع يأتي بعضها إنشاء الله ، وأن به يلزم حكم البينة لمن شهدت عليه والشهود ، فأما من شهدت عليه فيلزمه الحق ، وأما الشهود فيغرمهم إياه لو رجعوا عن الشهادة ، وهو جيد.

لكن قد يشكل الاستثناء في الأول فيما إذا كان الدليل القطعي نظريا لم يثبت قطعيته عند القاضي الأول بإطلاق ما دل (١) على النهي عن رده ، كما أنه يشكل تنفيذه من القاضي الآخر بكونه غير ما أنزل الله تعالى.

ومن هنا أمكن القول بعدم جواز رده وعدم وجوب تنفيذه ، بمعنى إجراء الحكم الواقع عليه في حقه ، ويأتي إنشاء الله تمام الكلام في ذلك.

وأما الولاية على المولى عليه أو على المصالح العامة فالظاهر عدم لزومها للنصب للقضاء ، فهي حينئذ أمر آخر تتبع عبارة النصب.

وعلى كل حال ففي التحرير وغيره « أن القضاء واجب على الكفاية ، بل في الرياض نفي الخلاف فيه بيننا ، قال : لتوقف نظام النوع الإنساني عليه ، ولأن الظلم من شيم النفوس ، فلا بد من حاكم ينتصف من الظالم للمظلوم ، ولما يترتب عليه من النهي عن المنكر والأمر بالمعروف ».

وفيه أن ذلك من قاعدة اللطف المقتضية نصب الامام المتوقف عليه استقامة نظام نوع الإنسان ، وليس هو من الواجب الكفائي بالمعنى المصطلح ، نعم من السياسة الواجبة على الامام عليه‌السلام نصب ما يستقيم به‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ١ و ١٧ و ٤٨.

١٠

نظام نوع الإنسان ، كما أنه يمكن القول بوجوب مقدار الصالح لذلك فيهم ، وبوجوب فعل القضاء من المنصوبين له على الكفاية ، وبوجوب تولي القضاء من الامام عليه‌السلام ويكون كغسل الميت المتوقف صحته على الاذن من الولي.

ولعل ذلك ونحوه مرادهم من الوجوب على الكفاية ، وإن كان في قولهم : هو واجب على الكفاية ـ بعد تعريفهم له بالولاية التي قد عرفت معناها ـ نوع تسامح ، ضرورة عدم صلاحيتها بمعنى كونها منصبا من المناصب للاتصاف بذلك ، كما هو واضح ، نعم يتجه ذلك على مذهب العامة الذين لا إمام منصوب لهم من الله تعالى شأنه.

ومن ذلك كله ظهر لك أن القضاء الذي هو من توابع النبوة والإمامة والرئاسة العامة في الدين والدنيا غير محتاج ثبوته إلى دليل ، خصوصا بعد قوله تعالى ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (١) و ( إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ) (٢). ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ ) (٣) إلى آخرها وغير ذلك ، وأما النصب منهم للقضاء فهو معلوم أيضا ، بل متواتر.

( و ) على كل حال فـ ( ـالنظر في صفات القاضي ، وآدابه وكيفية الحكم ، وأحكام الدعاوي ).

__________________

(١) سورة النساء : ٤ ـ الآية ٦٥.

(٢) سورة النساء : ٤ ـ الآية ١٠٥.

(٣) سورة النساء : ٤ ـ الآية ٥٩.

١١

( الأول)

( في الصفات )

( ويشترط فيه ) أي القاضي الذي يراد نصبه منهم عليهم‌السلام ( البلوغ وكمال العقل والايمان والعدالة وطهارة المولد والعلم والذكورة ) بلا خلاف أجده في شي‌ء منها ، بل في المسالك « هذه الشرائط عندنا موضع وفاق » بل حكاه في الرياض عن غيرها أيضا ، وعن الأردبيلي دعواه فيما عدا الثالث والسادس ، والغنية في العلم والعدالة ، ونهج الحق في العلم والذكورة.

وحينئذ ( فلا ينعقد ) منصب ( القضاء لصبي ولو مراهق ) ولا مجنون ولو أدوارا حال جنونه ، لسلب أفعالهما وأقوالهما وكونهما مولى عليهما ، فلا يصلحان لهذا المنصب العظيم ، ومنصب الإمامة ليحيى عليه‌السلام وللصاحب روحي له الفداء إنما كان لنوع من القضاء الإلهي ، نحو عيسى بن مريم عليه‌السلام.

( ولا لكافر ، لأنه ليس أهلا للأمانة ) ولم يجعل الله له سبيلا على المؤمن (١) إذ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه (٢).

( وكذا ) غير المؤمن الذي هو كافر في الجملة أيضا ، لما‌

__________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى في سورة النساء : ٤ ـ الآية ١٤١.

(٢) إشارة إلى قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله المروي في الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب موانع الإرث ـ الحديث ١١ من كتاب الفرائض.

١٢

تواترت النصوص في النهي عن المرافعة إلى قضاتهم (١) بل هو من ضروريات مذهبنا.

بل لا يصلح لهذا المنصب ( الفاسق ) الإمامي فضلا عن غيره ، لما هو المعلوم من النص (٢) والفتوى من قصوره عن مرتبة الولاية على يتيم ونحوه فضلا عن هذا المنصب الجليل.

( و ) لا يخفى عليك أنه ( يدخل في ضمن العدالة ) التي قد تقدم البحث فيها في كتاب الصلاة (٣) ( اشتراط الأمانة والمحافظة على الواجبات ) ضرورة عدمها في غير الأمين وتارك الواجب ، كما هو واضح.

( و ) كذا ( لا ينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقق حاله ، كما لا تصح إمامته ولا شهادته في الأشياء الجليلة ) وغيرها ، كما هو واضح بناء على كفره ، أما على غيره فالعمدة الإجماع المحكي وفحوى ما دل على المنع من إمامته وشهادته إن كان وقلنا به ، مؤيدا بنفر طباع الناس منه ، وإلا فمقتضى العمومات دخوله.

نعم لا ريب في اعتبار العلم ، قال الباقر عليه‌السلام (٤) : « من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه » وقال الصادق عليه‌السلام (٥) : « أنهاك عن خصلتين فيهما هلاك الرجال : أنهاك أن تدين الله بالباطل ،

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب صفات القاضي.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١٦ ـ من أبواب عقد البيع من كتاب لتجارة والباب ـ ٨٨ ـ من كتاب الوصايا.

(٣) راجع ج ١٣ ص ٢٧٠ و ٣٠٤.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ٤ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ١.

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ٤ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٢.

١٣

وتفتي الناس بما لا تعلم » ونحوه غيره (١) وفي الخبر (٢) « القضاة ثلاثة : واحد في الجنة واثنان في النار ، فالذي في الجنة رجل عرف الحق فقضى به ، واللذان في النار رجل عرف الحق فجار في الحكم ، ورجل قضى للناس على جهل ».

وأما الذكورة فلما سمعت من الإجماع والنبوي (٣) « لا يفلح قوم وليتهم امرأة » وفي آخر (٤) « لا تتولى المرأة القضاء » وفي وصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام المروية في الفقيه بإسناده عن حماد (٥) « يا علي ليس على المرأة جمعة ـ إلى أن قال ـ : ولا تولي القضاء » مؤيدا بنقصها عن هذا المنصب ، وأنها لا يليق لها مجالسة الرجال ورفع الصوت بينهم ، وبأن المنساق من نصوص النصب في الغيبة (٦) غيرها ، بل في بعضها (٧) التصريح بالرجل ، لا أقل من الشك والأصل عدم الاذن.

ومن ذلك يعلم الوجه في كثير من الشرائط ، ضرورة كونهم أعلم بمن يجوز نصبه مع الحضور ، وفي زمن الغيبة المدار على ما وصل إلينا عنهم عليهم‌السلام من عبارة النصب (٨) ومع فرض الشك‌

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٤ ـ من أبواب صفات القاضي.

(٢) سنن البيهقي ـ ج ١٠ ص ١١٦.

(٣) سنن البيهقي ج ١٠ ص ١١٨ وفيه‌ « لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة » ‌

(٤) البحار ج ١٠٣ ص ٢٥٤‌ عن أبي جعفر عليه‌السلام « ... لا تولي المرأة القضاء ... » ‌

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ٢ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ١.

(٦) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٥ والباب ـ ١١ ـ منها الحديث ١ و ٦ و ٩.

(٧) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب صفات القاضي الحديث ٦.

(٨) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٥ والباب ـ ١١ ـ منها الحديث ١ و ٦ و ٩.

١٤

فلا ريب في أن الأصل العدم.

( وكذا لا ينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى ، ولا يكفيه فتوى العلماء ) بلا خلاف أجده فيه ، بل في المسالك ( و ) غيرها الإجماع عليه من غير فرق بين حالتي الاختيار والاضطرار ، بل ( لا بد أنه يكون عالما بجميع ما وليه ) أي مجتهدا مطلقا كما في المسالك ، فلا يكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض. على القول بتجزي الاجتهاد.

قلت قد يقال : إن المستفاد من الكتاب والسنة صحة الحكم بالحق والعدل والقسط من كل مؤمن ، قال الله تعالى ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ، وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (١).

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا ) (٢).

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ، إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما ، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ، وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) (٣).

ومفهوم قوله تعالى (٤) ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) وفي أخرى (٥) ( هُمُ الْكافِرُونَ ) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

وقال الصادق عليه‌السلام (٦) : « القضاة أربعة ، ثلاثة في‌

__________________

(١) سورة النساء : ٤ الآية ٥٨.

(٢) سورة المائدة : ٥ ـ الآية ٨.

(٣) سورة النساء : ٤ الآية ١٣٥.

(٤) سورة المائدة : ٥ ـ الآية ٤٧.

(٥) سورة المائدة : ٥ ـ الآية ٤٤.

(٦) الوسائل ـ الباب ـ ٤ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٦ وفيه‌ « وقال عليه‌السلام ... » ‌بدل « وقال علي عليه‌السلام ... ».

١٥

النار وواحد في الجنة : رجل قضى بجور وهو يعلم ، فهو في النار ، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم أنه قضى بجور ، فهو في النار ، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم ، فهو في النار ، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة وقال علي عليه‌السلام : الحكم حكمان : حكم الله وحكم الجاهلية ، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية ».

وقال أبو جعفر عليه‌السلام (١) : « الحكم حكمان : حكم الله وحكم الجاهلية ؛ وقد قال الله عز وجل (٢) ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية ».

إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالة على أن المدار الحكم بالحق الذي هو عند محمد وأهل بيته ( صلوات الله عليهم ) وأنه لا ريب في اندراج من سمع منهم عليهم‌السلام أحكاما خاصة مثلا وحكم فيها بين الناس وإن لم يكن له مرتبة الاجتهاد والتصرف.

قال الصادق عليه‌السلام في خبر أبي خديجة (٣) : « إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا ، فتحاكموا إليه » بناء على إرادة الأعم من المجتهد منه ، بل لعل ذلك أولى من الأحكام الاجتهادية الظنية بل قد يقال باندراج من كان عنده أحكامهم بالاجتهاد الصحيح‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٤ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٨.

(٢) سورة المائدة : ٥ ـ الآية ٥٠.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٥.

١٦

أو التقليد الصحيح وحكم بها بين الناس كان حكما بالحق والقسط والعدل.

نعم قد يقال بتوقف صحة ذلك على الاذن منهم عليهم‌السلام لقول الصادق عليه‌السلام في خبر سليمان بن خالد (١) : « اتقوا الحكومة ، إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين : نبي أو وصي ».

وقوله عليه‌السلام أيضا في خبر إسحاق بن عمار (٢) : « قال أمير المؤمنين عليه‌السلام لشريح : يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي ».

وما عساه يشعر به‌ قوله عليه‌السلام في نصب نائب الغيبة (٣) : « فإني قد جعلته حاكما ».

وغير ذلك مما يقتضي توقف صحة الحكم وترتب أثره عليه على الاذن والنصب ، فتقيد تلك الآيات والنصوص بذلك أو تحمل على إرادة الأمر بالمعروف ونحوه مما ليس فيه قضاء وفصل.

اللهم إلا أن يقال بأن النصوص دالة على الاذن منهم عليهم‌السلام لشيعتهم المتمسكين بحبلهم الحافظين لأحكامهم في الحكم بين الناس بأحكامهم الواصلة إليهم بقطع أو اجتهاد صحيح أو تقليد كذلك ، فإنهم العلماء وشيعتهم المتعلمون وباقي الناس غثاء.

وفي خبر عبد الله بن طلحة (٤) الوارد في اللص الداخل على المرأة وقتل ولدها وأخذ ثيابها عن الصادق عليه‌السلام أمر السائل بالقضاء بينهم بما ذكره الامام ، ولعل غيره أيضا كذلك.

وإنما شدة الإنكار في النصوص على المعرضين عنهم المستغنين عنهم‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٣ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٣.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٣ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٢.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ١.

(٤) الوسائل الباب ـ ٢٣ ـ من أبواب القصاص في النفس ـ الحديث ٢ من كتاب القصاص.

١٧

بآرائهم وقياسهم واستحسانهم ونحو ذلك من الباطل الذي لفقوه. قال الحلبي (١) : « قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشي‌ء فيتراضيان برجل منا ، فقال : ليس هو ذاك ، إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط ».

ولو سلم عدم ما يدل على الاذن فليس في شي‌ء من النصوص ما يدل على عدم جواز الاذن لهم في ذلك ، بل عموم ولايتهم تقتضي ذلك.

بل قد يدعى أن الموجودين في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ممن أمر بالترافع إليهم قاصرون عن مرتبة الاجتهاد وإنما يقضون بين الناس بما سمعوه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل ، بل ظاهر الأدلة خلافها ، بل يمكن دعوى القطع بخلافها ، ونصب خصوص المجتهد في زمان الغيبة بناء على ظهور النصوص فيه لا يقتضي عدم جواز نصب الغير.

ويمكن بناء ذلك ـ بل لعله الظاهر ـ على إرادة النصب العام في كل شي‌ء على وجه يكون له ما للإمام عليه‌السلام كما هو مقتضى‌ قوله عليه‌السلام (٢) : « فاني جعلته حاكما » أي وليا متصرفا في القضاء وغيره من الولايات ونحوها.

بل هو مقتضى‌ قول صاحب الزمان روحي له الفداء (٣) : « وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فإنهم حجتي عليكم ، وأنا حجة الله » ضرورة كون المراد منه أنهم حجتي عليكم في جميع ما أنا فيه حجة الله عليكم إلا ما خرج ، وهو لا ينافي الإذن لغيره في الحكم‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٨.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ١.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ٩.

١٨

بخصوص ما علمه من الأحكام الخاصة ، وليس له هذه الرئاسة العامة أو يكون من قبيل قاضي التحكيم.

وحينئذ فتظهر ثمرة ذلك بناء على عموم هذه الرئاسة أن للمجتهد نصب مقلده للقضاء بين الناس بفتاواه التي هي حلالهم وحرامهم ، فيكون حكمه حكم مجتهده وحكم مجتهده حكمهم ، وحكمهم حكم الله تعالى شأنه ، والراد عليه راد على الله تعالى.

ولا يخفى وضوح ذلك لدى كل من سرد نصوص الباب المجموعة في الوسائل وغيرها ، بل كاد يكون من القطعيات ، خصوصا مع احتمال أن كثيرا من هذه الشرائط للعامة ، كما لا يخفى على من لاحظ كتبهم ورأى إكثارهم من ذكر شرائط لا دليل لها سوى استحسان مستقبح أو قياس باطل أو نحو ذلك.

ومن المعلوم أن المقبول مما ذكروه ما يكون موافقا لنصوصنا دون غيره ، ولعل منه هذا الشرط المذكور المقتضي عدم جواز نصب الامام قاضيا يقضي بالحق وإن لم يكن مجتهدا.

وأما دعوى الإجماع التي قد سمعتها فلم أتحققها ، بل لعل المحقق عندنا خلافها ، خصوصا بعد أن حكى في التنقيح عن المبسوط في المسألة أقوالا ثلاثة أولها جواز كونه عاميا ويستفتي العلماء ويقضي بفتواهم ولم يرجح ، ولعل مختاره الأول مع أنه أسوأ حالا مما ذكرناه ، ضرورة فرضه عاميا حين نصبه ثم يستفتي بعد ذلك ، مع ظهور الأدلة في اعتبار كونه عالما بما وليه حين التولية ولو بالتقليد بناء على ما ذكرناه من كون فتاوى المجتهد أحكامهم ، فالقضاء حينئذ بها خصوصا إذا قلنا إن القضاء في زمن الغيبة من باب الأحكام الشرعية لا النصب القضائي وإن ذلك هو المراد من‌ قوله عليه‌السلام : « جعلته قاضيا وحاكما » فان الفصل‌

١٩

بها حينئذ من المقلد كالفصل بها من المجتهد ، إذ الجميع مرجعه إلى القضاء بين الناس بحكم أهل البيت ، والله العالم.

ومن ذلك يظهر لك النظر في جملة مما هو مذكور هنا حتى قول المصنف هنا ( ويدخل فيه أن يكون ضابطا ، فلو غلب عليه النسيان لم يجز نصبه ) ضرورة عدم الدليل بالخصوص ، بل مقتضى ما فيه من مفروض العدالة تجنب ما يحتمل النسيان فيه ، وأنه لا يقضي إلا بما هو ضابط له بكتابة ونحوها ، إذ لا يخفى عليه حاله الذي هو غلبة نسيانه ، بل ربما كان قضاؤه أضبط من قضاء غيره ، نعم لو كان كثير الغلط والاشتباه ولا يعلم به على وجه يرتفع الوثوق بما يزعم أنه مضبوط له أمكن القول حينئذ بعدم نصبه بناء على عدم قبول ما ينقله من فتاواه وأخباره.

وكذا قوله ( وهل يشترط علمه بالكتابة؟ فيه تردد نظرا إلى اختصاص النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالرئاسة العامة مع خلوه في أول أمره من الكتابة ).

وأغرب من ذلك قوله ( والأقرب اشتراط ذلك لما يضطر إليه من الأمور التي لا تتيسر لغير النبي ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المحفوظ بالعصمة عن السهو والغلط وغيرهما ( بدون الكتابة ) بل في المسالك نسبته إلى الشيخ وأكثر الأصحاب ، إذ هو كما ترى لا دليل عليه سوى الاعتبار المزبور الذي لا ينطبق على أصولنا ، بل إطلاق دليل النصب في نائب الغيبة يقتضي عدمه ، على أنه يمكن الاستغناء بوضع كاتب ، بل ( و ) غير الكتابة من طرق الضبط ، بل ربما لا يحتاج إليها.

نعم ( لا ينعقد القضاء للمرأة وإن استكملت الشرائط ) لما عرفته سابقا من النص (١) السابق.

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٢ ـ من أبواب صفات القاضي ـ الحديث ١.

٢٠