🚘

الميزان في تفسير القرآن - ج ٥

السيد محمد حسين الطباطبائي

الميزان في تفسير القرآن - ج ٥

المؤلف:

السيد محمد حسين الطباطبائي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: منشورات اسماعيليان
المطبعة: اسماعيليان
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

* * *

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ـ ٧٧. أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ـ ٧٨. ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً ـ ٧٩. مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ـ ٨٠. )

بيان

الآيات متصلة بما قبلها ، وهي جميعا ذات سياق واحد ، وهذه الآيات تشتمل على الاستشهاد بأمر طائفة أخرى من المؤمنين ضعفاء الإيمان وفيها عظة وتذكير بفناء الدنيا ، وبقاء نعم الآخرة ، وبيان لحقيقة قرآنية في خصوص الحسنات والسيئات.

٥

قوله تعالى : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ـ إلى قوله ـ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً » كف الأيدي كناية عن الإمساك عن القتال لكون القتل الذي يقع فيه من عمل الأيدي ، وهذا الكلام يدل على أن المؤمنين كانوا في ابتداء أمرهم يشق عليهم ما يشاهدونه من تعدي الكفار وبغيهم عليهم فيصعب عليهم أن يصبروا على ذلك ولا يقابلوه بسل السيوف فأمرهم الله بالكف عن ذلك ، وإقامة شعائر الدين من صلاة وزكاة ليشتد عظم الدين ويقوم صلبه فيأذن الله لهم في جهاد أعدائه ، ولو لا ذلك لانفسخ هيكل الدين ، وانهدمت أركانه ، وتلاشت أجزاؤه.

ففي الآيات لومهم على أنهم هم الذين كانوا يستعجلون في قتال الكفار ، ولا يصبرون على الإمساك وتحمل الأذى حين لم يكن لهم من العدة والقوة ما يكفيهم للقاء عدوهم فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون العدو وهم ناس مثلهم كخشية الله أو أشد خشية.

قوله تعالى : « وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ » ، ظاهره أنه عطف على قوله إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ » ، وخاصة بالنظر إلى تغيير السياق من الفعل المضارع ( يَخْشَوْنَ النَّاسَ ) إلى الماضي ( قالُوا ) فالقائل بهذا القول هم الذين كانوا يتوقعون للقتال ، ويستصعبون الصبر فأمروا بكف أيديهم.

ومن الجائز أن يكون قولهم « رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ » محكيا عن لسان حالهم كما من الجائز أن يكونوا قائلين ذلك بلسانهم الظاهر فإن القرآن يستعمل من هذه العنايات كل نوع.

وتوصيف الأجل الذي هو أجل الموت حتف الأنف بالقريب ليس المراد به أن يسألوا التخلص عن القتل ، والعيش زمانا يسيرا بل ذلك تلويح منهم بأنهم لو عاشوا من غير قتل حتى يموتوا حتف أنفهم لم يكن ذلك إلا عيشا يسيرا وأجلا قريبا فما لله ـ سبحانه ـ لا يرضى لهم أن يعيشوا هذه العيشة اليسيرة حتى يبتليهم بالقتل ، ويعجل لهم الموت؟

وهذا الكلام صادر منهم لتعلق نفوسهم بهذه الحياة الدنيا التي هي في تعليم القرآن متاع قليل يتمتع به ثم ينقضي سريعا ويعفى أثره ، ودونه الحياة الآخرة التي هي الحياة الباقية الحقيقية فهي خير ، ولذلك أجيب عنهم بقوله « قُلْ » (إلخ).

٦

قوله تعالى : « قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ » (إلخ) أمر للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يجيب هؤلاء الضعفاء بما يوضح لهم خطأ رأيهم في ترجيح العيش الدنيوي اليسير على كرامة الجهاد والقتل في سبيل الله تعالى ، ومحصله أنهم ينبغي أن يكونوا متقين في إيمانهم ، والحياة الدنيا هي متاع يتمتع به قليل إذا قيس إلى الآخرة ، والآخرة خير لمن اتقى فينبغي لهم أن يختاروا الآخرة التي هي خير على متاع الدنيا القليل لأنهم مؤمنون وعلى صراط التقوى ، ولا يبقى لهم إلا أن يخافوا أن يحيف الله عليهم ويظلمهم فيختاروا لذلك ما بأيديهم من المتاع على ما يوعدون من الخير ، وليس لهم ذلك فإن الله لا يظلمهم فتيلا.

وقد ظهر بهذا البيان أن قوله. « لِمَنِ اتَّقى » من قبيل وضع الصفة موضع الموصوف للدلالة على سبب الحكم ، ودعوى انطباقه على المورد ، والتقدير ـ والله أعلم ـ : والآخرة خير لكم لأنكم ينبغي أن تكونوا لإيمانكم أهل تقوى ، والتقوى سبب للفوز بخير الآخرة فقوله « لِمَنِ اتَّقى » كالكناية التي فيها تعريض.

قوله تعالى : « أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ » البروج جمع برج وهو البناء المعمول على الحصون ، ويستحكم بنيانه ما قدر عليه لدفع العدو به وعنه ، وأصل معناه الظهور ، ومنه التبرج بالزينة ونحوها ، والتشييد الرفع ، وأصله من الشيد وهو الجص لأنه يحكم البناء ويرفعه ويزينه فالبروج المشيدة الأبنية المحكمة المرتفعة التي على الحصون يأوي إليها الإنسان من كل عدو قادم.

والكلام موضوع على التمثيل بذكر بعض ما يتقى به المكروه ، وجعله مثلا لكل ركن شديد تتقى به المكاره ، ومحصل المعنى : أن الموت أمر لا يفوتكم إدراكه ، ولو لجأتم منه إلى أي ملجإ محكم متين فلا ينبغي لكم أن تتوهموا أنكم لو لم تشهدوا القتال ولم يكتب لكم كنتم في مأمن من الموت ، وفاته إدراككم فإن أجل الله لآت.

قوله تعالى : « وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ » ( إلى آخر الآية ) جملتان أخريان من هفواتهم حكاهما الله تعالى عنهم ، وأمر نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يجيبهم عنهما ببيان حقيقة الأمر فيما يصيب الإنسان من حسنة وسيئة.

واتصال السياق يقضي بكون الضعفاء المتقدم ذكرهم من المؤمنين هم القائلون ذلك قالوا ذلك بلسان حالهم أو مقالهم ، ولا بدع في ذلك فإن موسى أيضا جبه بمثل هذا المقال

٧

كما حكى الله سبحانه ذلك بقوله « فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ » : ( الأعراف : ١٣١ ) وهو مأثور عن سائر الأمم في خصوص أنبيائهم ، وهذه الأمة في معاملتهم نبيهم لا يقصرون عن سائر الأمم ، وقد قال تعالى : « تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ » : ( البقرة : ١١٨ ) وهم مع ذلك أشبه الأمم ببني إسرائيل ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنهم لا يدخلون جحر ضب إلا دخلتموه » وقد تقدم نقل الروايات في ذلك من طرق الفريقين.

وقد تمحل في الآيات أكثر المفسرين بجعلها نازلة في خصوص اليهود أو المنافقين أو الجميع من اليهود والمنافقين ، وأنت ترى أن السياق يدفعه.

وكيف كان فالآية تشهد بسياقها على أن المراد بالحسنة والسيئة ما يمكن أن يسند إلى الله سبحانه ، وقد أسندوا قسما منه إلى الله تعالى وهو الحسنة ، وقسما إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو السيئة فهذه الحسنات والسيئات هي الحوادث التي كانت تستقبلهم بعد ما أتاهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخذ في ترفيع مباني الدين ونشر دعوته وصيته بالجهاد ، فهي الفتح والظفر والغنيمة فيما غلبوا فيه من الحروب والمغازي ، والقتل والجرح والبلوى في غير ذلك ، وإسنادهم السيئات إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في معنى التطير به أو نسبة ضعف الرأي ورداءة التدبير إليه.

فأمر تعالى نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله بأن يجيبهم بقوله « قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ » فإنها حوادث ونوازل ينظمها ناظم النظام الكوني ، وهو الله وحده لا شريك له إذ الأشياء إنما تنقاد في وجودها وبقائها وجميع ما يستقبلها من الحوادث له تعالى لا غير. على ما يعطيه تعليم القرآن.

ثم استفهم استفهام متعجب من جمود فهمهم وخمود فطنتهم من فقه هذه الحقيقة وفهمها فقال : « فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ».

قوله تعالى : ( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » ، لما ذكر أنهم لا يكادون يفقهون حديثا ثم أراد بيان حقيقة الأمر ، صرف الخطاب عنهم لسقوط فهمهم ، ووجه وجه الكلام إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبين حقيقة ما يصيبه من حسنة أو سيئة لذاك الشأن ، وليس للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في نفسه خصوصية في هذه الحقيقة التي هي من الأحكام الوجودية الدائرة بين جميع الموجودات ، ولا أقل بين جميع الأفراد من الإنسان

٨

من مؤمن أو كافر ، أو صالح أو طالح ، ونبي أو من دونه.

فالحسنات وهي الأمور التي يستحسنها الإنسان بالطبع كالعافية والنعمة والأمن والرفاهية كل ذلك من الله سبحانه ، والسيئات وهي الأمور التي تسوء الإنسان كالمرض والذلة والمسكنة والفتنة كل ذلك يعود إلى الإنسان لا إليه سبحانه فالآية قريبة مضمونا من قوله تعالى « ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » ( الأنفال : ٥٣ ) ولا ينافي ذلك رجوع جميع الحسنات والسيئات بنظر كلي آخر إليه تعالى كما سيجيء بيانه.

قوله تعالى : « وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً » ، أي لا سمة لك من عندنا إلا أنك رسول وظيفتك البلاغ ، وشأنك الرسالة لا شأن لك سواها وليس لك من الأمر شيء حتى تؤثر في ميمنة أو مشأمة ، أو تجر إلى الناس السيئات ، وتدفع عنهم الحسنات ، وفيه رد تعريضي لقول أولئك المتطيرين في السيئات « هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ » تشؤما به صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم أيد ذلك بقوله « وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً ». قوله تعالى : « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ » ، استئناف فيه تأكيد وتثبيت لقوله في الآية السابقة « وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً » ، وبمنزلة التعليل لحكمه أي ما أنت إلا رسولا منا من يطعك بما أنت رسول فقد أطاع الله ، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا.

ومن هنا يظهر أن قوله « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ » ، من قبيل وضع الصفة موضع الموصوف للإشعار بعلة الحكم نظير ما تقدم في قوله « وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً » وعلى هذا فالسياق جار على استقامته من غير التفات من الخطاب في قوله « وَأَرْسَلْناكَ » ، إلى الغيبة في قوله « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ » ، ثم إلى الخطاب في قوله « فَما أَرْسَلْناكَ ».

( كلام في استناد الحسنات والسيئات إليه تعالى )

يشبه أن يكون الإنسان أول ما تنبه على معنى الحسن تنبه عليه من مشاهدة الجمال في أبناء نوعه الذي هو اعتدال الخلقة ، وتناسب نسب الأعضاء وخاصة في الوجه ثم

٩

في سائر الأمور المحسوسة من الطبيعيات ويرجع بالآخرة إلى موافقة الشيء لما يقصد من نوعه طبعا.

فحسن وجه الإنسان كون كل من العين والحاجب والأذن والأنف والفم وغيرها على حال أو صفة ينبغي أن يركب في نفسه عليها ، وكذا نسبة بعضها إلى بعض ، وحينئذ تنجذب النفس ويميل الطبع إليه ، ويسمى كون الشيء على خلاف هذا الوصف بالسوء والمساءة والقبح على اختلاف الاعتبارات الملحوظة فالمساءة معنى عدمي كما أن الحسن معنى وجودي.

ثم عمم ذلك إلى الأفعال والمعاني الاعتبارية والعناوين المقصودة في ظرف الاجتماع من حيث ملاءمتها لغرض الاجتماع وهو سعادة الحياة الإنسانية أو التمتع من الحياة ، وعدم ملاءمتها فالعدل حسن ، والإحسان إلى مستحقه حسن ، والتعليم والتربية والنصح وما أشبه ذلك في مواردها حسنات ، والظلم والعدوان وما أشبه ذلك سيئات قبيحة لملاءمة القبيل الأول لسعادة الإنسان أو لتمتعه التام في ظرف اجتماعه وعدم ملاءمة القبيل الثاني لذلك ، وهذا القسم من الحسن وما يقابله تابع للفعل الذي يتصف به من حيث ملاءمته لغرض الاجتماع فمن الأفعال ما حسنه دائمي ثابت إذا كان ملاءمته لغاية الاجتماع وغرضه كذلك كالعدل ، ومنها ما قبحه كذلك كالظلم.

ومن الأفعال ما يختلف حاله بحسب الأحوال والأوقات والأمكنة أو المجتمعات فالضحك والدعابة حسن عند الخلان لا عند الأعاظم ، وفي محافل السرور دون المأتم ، ودون المساجد والمعابد ، والزنا وشرب الخمر حسن عند الغربيين دون المسلمين.

ولا تصغ إلى قول من يقول : إن الحسن والقبح مختلفان متغيران مطلقا من غير ثبات ولا دوام ولا كلية ، ويستدل على ذلك في مثل العدل والظلم بأن ما هو عدل عند أمة بإجراء أمور من مقررات اجتماعية غير ما هو عدل عند أمة أخرى بإنفاذ مقررات أخرى اجتماعية فلا يستقر معنى العدل على شيء معين فالجلد للزاني عدل في الإسلام وليس كذلك عند الغربيين ، وهكذا.

وذلك أن هؤلاء قد اختلط عليهم الأمر ، واشتبه المفهوم عندهم بالمصداق ، ولا كلام لنا مع من هذا مبلغ فهمه.

١٠

والإنسان على حسب تحول العوامل المؤثرة في الاجتماعات يرضى بتغيير جميع أحكامه الاجتماعية دفعة أو تدريجا ولا يرضى قط بأن يسلب عنه وصف العدل ، ويسمى ظالما ، ولا بأن يجد ظلما لظالم إلا مع الاعتذار عنه ، وللكلام ذيل طويل يخرجنا الاشتغال به عن ما هو أهم منه.

ثم عمم معنى الحسن والقبح لسائر الحوادث الخارجية التي تستقبل الإنسان مدى حياته على حسب تأثير مختلف العوامل وهي الحوادث الفردية أو الاجتماعية التي منها ما يوافق آمال الإنسان ، ويلائم سعادته في حياته الفردية أو الاجتماعية من عافية أو صحة أو رخاء ، وتسمى حسنات ، ومنها ما ينافي ذلك كالبلايا والمحن من فقر أو مرض أو ذلة أو إسارة ونحو ذلك ، وتسمى سيئات.

فقد ظهر مما تقدم أن الحسنة والسيئة يتصف بهما الأمور أو الأفعال من جهة إضافتها إلى كمال نوع أو سعادة فرد أو غير ذلك فالحسن والقبح وصفان إضافيان ، وإن كانت الإضافة في بعض الموارد ثابتة لازمة ، وفي بعضها متغيرة كبذل المال الذي هو حسن بالنسبة إلى مستحقه وسيئ بالنسبة إلى غير المستحق.

وأن الحسن أمر ثبوتي دائما والمساءة والقبح معنى عدمي وهو فقدان الأمر صفة الملاءمة والموافقة المذكورة ، وإلا فمتن الشيء أو الفعل مع قطع النظر عن الموافقة وعدم الموافقة المذكورين واحد من غير تفاوت فيه أصلا.

فالزلزلة والسيل الهادم إذا حلا ساحة قوم كانا نعمتين حسنتين لأعدائهم وهما نازلتان سيئتان عليهم أنفسهم ، وكل بلاء عام في نظر الدين سراء إذا نزل بالكفار المفسدين في الأرض أو الفجار العتاة ، وهو بعينه ضراء إذا نزل بالأمة المؤمنة الصالحة.

وأكل الطعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا ، وهو بعينه سيئة محرمة إذا كان من مال الغير من غير رضا منه لفقدانه امتثال النهي الوارد عن أكل مال الغير بغير رضاه ، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحل الله ، والمباشرة بين الرجل والمرأة حسنة مباحة إذا كان عن ازدواج مثلا ، وسيئة محرمة إذا كان سفاحا من غير نكاح لفقدانه موافقة التكليف الإلهي فالحسنات عناوين وجودية في الأمور والأفعال ، والسيئات عناوين عدمية فيهما ، ومتن الشيء المتصف بالحسن والسوء واحد.

١١

والذي يراه القرآن الشريف أن كل ما يقع عليه اسم الشيء ما خلا الله ـ عز اسمه ـ مخلوق لله قال تعالى : « اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » : ( الزمر : ٦٢ ) وقال تعالى : « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » : ( الفرقان : ٢ ) والآيتان تثبتان الخلقة في كل شيء ، ثم قال تعالى : « الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » : ( السجدة : ٧ ) فأثبت الحسن لكل مخلوق ، وهو حسن لازم للخلقة غير منفك عنها يدور مدارها.

فكل شيء له حظ من الحسن على قدر حظه من الخلقة والوجود ، والتأمل في معنى الحسن ( على ما تقدم ) يوضح ذلك مزيد إيضاح فإن الحسن موافقة الشيء وملاءمته للغرض المطلوب والغاية المقصودة منه ، وأجزاء الوجود وأبعاض هذا النظام الكوني متلائمة متوافقة ، وحاشا رب العالمين أن يخلق ما تتنافى أجزاؤه ، ويبطل بعضه بعضا فيخل بالغرض المطلوب ، أو يعجزه تعالى أو يبطل ما أراده من هذا النظام العجيب الذي يبهت العقل ويحير الفكرة. وقد قال تعالى : « هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ » ( الزمر : ٤ ) وقال تعالى : « وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ » : ( الأنعام : ـ ١٨ ) وقال تعالى « وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً » : ( فاطر : ٤٤ ) فهو تعالى لا يقهره شيء ولا يعجزه شيء في ما يريده من خلقه ويشاؤه في عباده.

فكل نعمة حسنة في الوجود منسوبة إليه تعالى ، وكذلك كل نازلة سيئة إلا أنها في نفسها أي بحسب أصل النسبة الدائرة بين موجودات المخلوقة منسوبة إليه تعالى وإن كانت بحسب نسبة أخرى سيئة ، وهذا هو الذي يفيده قوله تعالى : « وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً » : ( النساء : ـ ٧٨ ) وقوله « فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ » : ( الأعراف : ١٣١ ) إلى غير ذلك من الآيات.

وأما جهة السيئة فالقرآن الكريم يسندها في الإنسان إلى نفس الإنسان بقوله تعالى في هذه السورة : « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ : » الآية ( النساء : ٧٩ ) وقوله تعالى « وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » : ( الشورى : ٣٠ ) وقوله تعالى « إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » :

١٢

( الرعد : ١١ ) ، وقوله تعالى « ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » : ( الأنفال : ٥٣ ) وغيرها من الآيات.

وتوضيح ذلك أن الآيات السابقة كما عرفت تجعل هذه النوازل السيئة كالحسنات أمورا حسنة في خلقتها فلا يبقى لكونها سيئة إلا أنها لا تلائم طباع بعض الأشياء التي تتضرر بها فيرجع الأمر بالآخرة إلى أن الله لم يجد لهذه الأشياء المبتلاة المتضررة بما تطلبه وتشتاق إليه بحسب طباعها ، فإمساك الجود هذا هو الذي يعد بلية سيئة بالنسبة إلى هذه الأشياء المتضررة كما يوضحه كل الإيضاح قوله تعالى : « ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » : ( فاطر : ٢ ).

ثم بين تعالى أن إمساك الجود عما أمسك عنه أو الزيادة والنقيصة في إفاضة رحمته إنما يتبع أو يوافق مقدار ما يسعه ظرفه ، وما يمكنه أن يستوفيه من ذلك ، قال تعالى فيما ضربه من المثل : « أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها » : ( الرعد : ١٧ ) وقال : « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » : ( الحجر : ٢١ ) فهو تعالى إنما يعطي على قدر ما يستحقه الشيء وعلى ما يعلم من حاله ، قال : « أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » : ( الملك : ١٤ ).

ومن المعلوم أن النعمة والنقمة والبلاء والرخاء بالنسبة إلى كل شيء ما يناسب خصوص حاله كما يبينه قوله تعالى : « وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها » : ( البقرة : ١٤٨ ) فإنما يولي كل شيء ويطلب وجهته الخاصة به وغايته التي تناسب حاله.

ومن هنا يمكنك أن تحدس أن السراء والضراء والنعمة والبلاء بالنسبة إلى هذا الإنسان الذي يعيش في ظرف الاختيار في تعليم القرآن أمور مرتبطة باختياره فإنه واقع في صراط ينتهي به بحسن السلوك وعدمه إلى سعادته وشقائه كل ذلك من سنخ ما لاختياره فيه مدخل.

والقرآن الكريم يصدق هذا الحدس ، قال تعالى : « ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » : ( الأنفال : ٥٣ ) فلما في أنفسهم من النيات الطاهرة والأعمال الصالحة دخل في النعمة التي خصوا بها فإذا غيروا غير الله بإمساك رحمته وقال : « وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » ( الشورى ـ : ٣٠ ) فلأعمالهم تأثير في ما ينزل بهم من النوازل ويصيبهم من المصائب ، والله يعفو عن كثير منها.

١٣

وقال تعالى : « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » : الآية ( النساء : ٧٩ ).

وإياك أن تظن أن الله سبحانه حين أوحى هذه الآية إلى نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله نسي الحقيقة الباهرة التي أبانها بقوله : « اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » : ( الزمر : ٦٢ ) وقوله : « الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » : ( السجدة : ٧ ) فعد كل شيء مخلوقا لنفسه حسنا في نفسه وقد قال : « وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا » : ( مريم : ٦٤ ) وقال : « لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى » ( طه : ٥٢ ) فمعنى قوله « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ » (الآية) أن ما أصابك من حسنة ـ وكل ما أصابك حسنة ـ فمن الله ، وما أصابك من سيئة فهي سيئة بالنسبة إليك حيث لا يلائم ما تقصده وتشتهيه وإن كانت في نفسها حسنة فإنما جرتها إليك نفسك باختيارها السيئ ، واستدعتها كذلك من الله فالله أجل من أن يبدأك بشر أو ضر.

والآية كما تقدم وإن كانت خصت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالخطاب لكن المعنى عام للجميع ، وبعبارة أخرى هذه الآية كالآيتين الأخريين « ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً » (الآية) « وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ » (الآية) متكفلة للخطاب الاجتماعي كتكفلها للخطاب الفردي.

فإن للمجتمع الإنساني كينونة إنسانية وإرادة واختيارا غير ما للفرد من ذلك.

فالمجتمع ذو كينونة يستهلك فيها الماضون والغابرون من أفراده ، ويؤاخذ متأخروهم بسيئات المتقدمين ، والأموات بسيئات الأحياء ، والفرد غير المقدم بذنب المقترفين للذنوب وهكذا ، وليس يصح ذلك في الفرد بحسب حكمه في نفسه أبدا ، وقد تقدم شطر من هذا الكلام في بحث أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

فهذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أصيب في غزوة أحد في وجهه وثناياه ، وأصيب المسلمون بما أصيبوا ، وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله نبي معصوم إن أسند ما أصيب به إلى مجتمعة وقد خالفوا أمر الله ورسوله كان ذلك مصيبة سيئة أصابته بما كسبت أيدي مجتمعة وهو فيهم ، وإن أسند إلى شخصه الشريف كان ذلك محنة إلهية أصابته في سبيل الله ، وفي طريق دعوته الطاهرة إلى الله على بصيرة فإنما هي نعمة رافعة للدرجات.

وكذا كل ما أصاب قوما من السيئات إنما تستند إلى أعمالهم على ما يراه القرآن ولا يرى إلا الحق ، وأما ما أصابهم من الحسنات فمن الله سبحانه.

١٤

نعم هاهنا آيات أخر ربما نسبت إليهم الحسنات بعض النسبة كقوله تعالى : « وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ » : ( الأعراف : ٩٦ ) وقوله : « وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ » ( السجدة : ٢٤ ) وقوله : « وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ » : ( الأنبياء : ٨٦ ) والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.

إلا إن الله سبحانه يذكر في كلامه أن شيئا من خلقه لا يقدر على شيء مما يقصده من الغاية ، ولا يهتدي إلى خير إلا بإقدار الله وهدايته قال تعالى : « الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » : ( طه : ٥٠ ) وقال تعالى : « وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً » : ( النور : ٢١ ) ويتبين بهاتين الآيتين وما تقدم معنى آخر لكون الحسنات لله عز اسمه ، وهو أن الإنسان لا يملك حسنة إلا بتمليك من الله وإيصال منه فالحسنات كلها لله والسيئات للإنسان ، وبه يظهر معنى قوله تعالى « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » (الآية).

فلله سبحانه الحسنات بما أن كل حسن مخلوق له ، والخلق والحسن لا ينفكان ، وله الحسنات بما أنها خيرات ، وبيده الخير لا يملكه غيره إلا بتمليكه ، ولا ينسب إليه شيء من السيئات فإن السيئة من حيث إنها سيئة غير مخلوقة وشأنه الخلق ، وإنما السيئة فقدان الإنسان مثلا رحمة من لدنه تعالى أمسك عنها بما قدمته أيدي الناس ، وأما الحسنة والسيئة بمعنى الطاعة والمعصية فقد تقدم الكلام في نسبتهما إلى الله سبحانه في الكلام على قوله تعالى « إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً » : ( البقرة : ٢٦ ) في الجزء الأول من هذا الكتاب.

وأنت لو راجعت التفاسير في هذا المقام ، وجدت من شتات القول ومختلف الآراء والأهواء وأقسام الإشكالات ما يبهتك ، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية للمتدبر في كلامه تعالى ، وعليك في هذا البحث بتفكيك جهات البحث بعضها عن بعض ، وتفهم ما يتعارفه القرآن من معنى الحسنة والسيئة ، والنعمة والنقمة ، والفرق بين شخصية المجتمع والفرد حتى يتضح لك مغزى الكلام.

١٥

( بحث روائي )

وفي الدر المنثور في قوله تعالى « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا » (الآية) : أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ فقالوا : يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال : إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم فلما حوله الله إلى المدينة أمره الله بالقتال فكفوا فأنزل الله : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ » ( الآية).

وفيه : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: كان أناس من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم يومئذ بمكة قبل الهجرة ، يسارعون إلى القتال فقالوا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين ، وذكر لنا أن عبد الرحمن بن عوف كان فيمن قال ذلك ، فنهاهم نبي الله ص عن ذلك قال : لم أومر بذلك ، فلما كانت الهجرة وأمروا بالقتل كره القوم ذلك ، وصنعوا فيه ما تسمعون قال الله تعالى ، « قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ».

وفي تفسير العياشي ، عن صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : قال : الله تعالى : يا ابن آدم ، بمشيتي كنت أنت الذي تشاء وتقول ، وبقوتي أديت إلي فريضتي ، وبنعمتي قويت على معصيتي ، ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، وذاك أني أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيئاتك مني ، وذاك أني لا أسأل عما أفعل ، وهم يسألون.

أقول وقد تقدم نقل الرواية بلفظ آخر في الجزء الأول من هذا الكتاب في ذيل قوله تعالى « إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً » : ( البقرة : ٢٦ ) وتقدم البحث عنها هناك.

وفي الكافي ، بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : ذكر عند أبي عبد الله عليه‌السلام البلاء وما يخص الله به المؤمن ، فقال : سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من أشد الناس بلاء في الدنيا؟ فقال النبيون ثم الأمثل فالأمثل ، ويبتلى المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن أعماله : فمن صح إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه ، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قل بلاؤه.

١٦

أقول : ومن الروايات المشهورة قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.

وفيه ، أيضا بعدة طرق عنهما عليه‌السلام : أن الله عز وجل إذا أحب عبدا غثه بالبلاء غثا. (١)

وفيه ، أيضا عن الصادق عليه‌السلام : إنما المؤمن بمنزلة كفة الميزان ، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه.

وفيه ، أيضا عن الباقر عليه‌السلام قال : إن الله عز وجل ليتعاهد المؤمن بالبلاء ، كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة ، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض.

وفيه ، أيضا عن الصادق عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا حاجة لله فيمن ليس له في ماله وبدنه نصيب.

وفي العلل ، عن علي بن الحسين عن أبيه عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ولو كان المؤمن على جبل ، لقيض الله عز وجل له من يؤذيه ليأجره على ذلك.

وفي كتاب التمحيص ، عن الصادق عليه‌السلام قال : لا تزال الهموم والغموم بالمؤمن حتى لا تدع له ذنبا.

وعنه عليه‌السلام قال : لا يمضي على المؤمن أربعون ليلة ، إلا عرض له أمر يحزنه يذكر ربه.

وفي النهج ، قال عليه‌السلام : لو أحبني جبل لتهافت وقال عليه‌السلام : من أحبنا أهل البيت فليستعد للبلاء جلبابا.

أقول : قال ابن أبي الحديد في شرحه ، قد ثبت أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له : لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق » وقد ثبت أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إن البلوى أسرع إلى المؤمن من الماء إلى الحدور » هاتان المقدمتان يلزمهما نتيجة صادقة هي أنه لو أحبه جبل لتهافت ( انتهى ).

واعلم أن الأخبار في هذه المعاني كثيرة ، وهي تؤيد ما قدمناه من البيان.

وفي الدر المنثور : أخرج ابن المنذر والخطيب عن ابن عمر ، قال : كنا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في نفر من أصحابه ، فقال : يا هؤلاء ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم ، قالوا : بلى قال : ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه ، أنه من أطاعني فقد أطاع الله؟ قالوا : بلى

__________________

(١) الغث هو الغمس.

١٧

نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ، وأن من طاعته طاعتك ، قال : فإن من طاعة الله أن تطيعوني ، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم ، وإن صلوا قعودا فصلوا قعدوا أجمعين.

أقول : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : وإن صلوا (إلخ) كناية عن وجوب كمال الاتباع.

* * *

( وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ـ ٨١. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ـ ٨٢. وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً ـ ٨٣. فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ـ ٨٤. )

بيان

الآيات لا تأبى عن الاتصال بما قبلها فكأنها من تتمة القول في ملامة الضعفاء من المسلمين وفائدتها وعظهم بما يتبصرون به لو تدبروا واستبصروا.

قوله تعالى ( وَيَقُولُونَ طاعَةٌ ) إلخ ( طاعَةٌ ) مرفوع على الخبرية على ما قيل والتقدير أمرنا طاعة أي نطيعك طاعة والبروز الظهور والخروج والتبييت من البيتوتة ومعناه إحكام الأمر وتدبيره ليلا والضمير في ( تَقُولُ ) راجع إلى ( طائِفَةٌ ) أو إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

والمعنى والله أعلم ويقول هؤلاء مجيبين لك فيما تدعوهم إليه من الجهاد أمرنا طاعة فإذا أخرجوا من عندك دبروا ليلا أمرا غير ما أجابوك به وقالوا لك أو غير ما

١٨

قلته أنت لهم وهو كناية عن عقدهم النية على مخالفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ثم أمر الله رسوله بالإعراض عنهم والتوكل في الأمر والعزيمة فقال ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ) ولا دليل في الآية يدل على كون المحكي عنهم هم المنافقين كما ذكره بعضهم بل الأمر بالنظر إلى اتصال السياق على خلاف ذلك.

قوله تعالى ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) الآية تحضيض في صورة الاستفهام التدبير هو أخذ الشيء بعد الشيء وهو في مورد الآية التأمل في الآية عقيب الآية أو التأمل بعد التأمل في الآية لكن لما كان الغرض بيان أن القرآن لا اختلاف فيه وذلك إنما يكون بين أزيد من آية واحدة كان المعنى الأول أعني التأمل في الآية عقيب الآية هو العمدة وإن كان ذلك لا ينفي المعنى الثاني أيضا.

فالمراد ترغيبهم أن يتدبروا في الآيات القرآنية ويراجعوا في كل حكم نازل أو حكمة مبينة أو قصة أو عظة أو غير ذلك جميع الآيات المرتبطة به مما نزلت مكيتها ومدينتها ومحكمها ومتشابهها ويضموا البعض إلى البعض حتى يظهر لهم أنه لا اختلاف بينها فالآيات يصدق قديمها حديثها ويشهد بعضها على بعض من غير أن يكون بينها أي اختلاف مفروض لا اختلاف التناقض بأن ينفي بعضها بعضا أو يتدافعا ولا اختلاف التفاوت بأن يتفاوت الآيتان من حيث تشابه البيان أو متانة المعاني والمقاصد بكون البعض أحكم بيانا وأشد ركنا من بعض كتابا متشابها مثاني تقشعر منه الجلود.

فارتفاع هذه الاختلافات من القرآن يهديهم إلى أنه كتاب منزل من الله وليس من عند غيره إذ لو كان من عند غيره لم يسلم من كثرة الاختلاف وذلك أن غيره تعالى من هذه الموجودات الكونية ولا سيما الإنسان الذي يرتاب أهل الريب أنه من كلامه كلها موضوعة بحسب الكينونة الوجودية وطبيعة الكون على التحرك والتغير والتكامل فما من واحد منها إلا أن امتداد زمان وجوده مختلف الأطراف متفاوت الحالات.

ما من إنسان إلا وهو يرى كل يوم أنه أعقل من أمس وأن ما ينشئه من عمل أو صنعة أو ما أشبه ذلك أو يدبره من رأي أو نظر أو نحوهما أخيرا أحكم وأمتن مما أتى به أولا حتى العمل الواحد الذي فيه شيء من الامتداد الوجودي كالكتاب يكتبه الكاتب والشعر يقوله الشاعر والخطبة يخطبها الخطيب وهكذا يوجد عند الإمعان آخره خيرا من أوله وبعضه أفضل من بعض.

١٩

فالواحد من الإنسان لا يسلم في نفسه وما يأتي به من العمل من الاختلاف ، وليس هو بالواحد والاثنين من التفاوت والتناقض بل الاختلاف الكثير ، وهذا ناموس كلي جار في الإنسان وما دونه من الكائنات الواقعة تحت سيطرة التحول والتكامل العامين لا ترى واحدا من هذه الموجودات يبقى آنين متواليين على حال واحد بل لا يزال يختلف ذاته وأحواله.

ومن هنا يظهر وجه التقييد بالكثير في قوله : « اخْتِلافاً كَثِيراً » فالوصف وصف توضيحي لا احترازي ، والمعنى : لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا وكان ذلك الاختلاف كثيرا على حد الاختلاف الكثير الذي في كل ما هو من عند غير الله ، وليس المعنى أن المرفوع من القرآن هو الاختلاف الكثير دون اليسير.

وبالجملة لا يلبث المتدبرون أن يشاهد أن القرآن كتاب يداخل جميع الشئون المرتبطة بالإنسانية من معارف المبدأ والمعاد والخلق والإيجاد ، ثم الفضائل العامة الإنسانية ، ثم القوانين الاجتماعية والفردية الحاكمة في النوع حكومة لا يشذ منها دقيق ولا جليل ، ثم القصص والعبر والمواعظ ببيان دعا إلى مثلها أهل الدنيا ، وبآيات نازلة نجوما في مدة تعدل ثلاثا وعشرين سنة على اختلاف الأحوال من ليل ونهار ، ومن حضر وسفر ، ومن حرب وسلم ، ومن ضراء وسراء ، ومن شدة ورخاء ، فلم يختلف حاله في بلاغته الخارقة المعجزة ، ولا في معارفه العالية وحكمه السامية ، ولا في قوانينه الاجتماعية والفردية ، بل ينعطف آخره إلى ما قر عليه أوله ، وترجع تفاصيله وفروعه إلى ما ثبت فيه أعراقه وأصوله ، يعود تفاصيل شرائعه وحكمه بالتحليل إلى حاق التوحيد الخالص ، وينقلب توحيده الخالص بالتركيب إلى أعيان ما أفاده من التفاصيل ، هذا شأن القرآن.

والإنسان المتدبر فيه هذا التدبر يقضي بشعوره الحي ، وقضائه الجبلي أن المتكلم بهذا الكلام ليس ممن يحكم فيه مرور الأيام والتحول والتكامل العاملان في الأكوان بل هو الله الواحد القهار.

وقد تبين من الآية ( أولا ) : أن القرآن مما يناله الفهم العادي. و ( ثانيا ) : أن الآيات القرآنية يفسر بعضها بعضا. و ( ثالثا ) : أن القرآن كتاب لا يقبل نسخا ولا إبطالا ولا تكميلا ولا تهذيبا ، ولا أي حاكم يحكم عليه أبدا ، وذلك أن ما يقبل شيئا منها لا مناص من كونه يقبل نوعا من التحول والتغير بالضرورة ، وإذ كان القرآن لا يقبل الاختلاف

٢٠