الأول بقوله : ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ) (١) ، وبقوله : ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) (٢) وبقوله : ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) (٣) ، فنبّههم بهذه الآيات على أن من قدر أن يفعل فعلاً على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلاً محدثاً ، فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم ، وأمّا الباري جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خَلْقُ شيء بأهون عليه من الآخر ، وقد قيل : إنّ الهاء في « عليه » إنّما هي كناية للخلق بقدرته ، إنّ البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخف عليه من ابتداء خلقه ، لأن ابتداء خلقه إنّما يكون بالولادة والتربية وقطع السرة والقماط وخروج الأسنان ، وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة ، وإعادته إنّما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء ، فهي أهون عليه من ابتدائه ، فهذا ما احتج به على الطائفة المقرة بالخلق .
وأمّا الطائفة التي أنكرت الخلق الأول والثاني ، وقالت بقدم العالم فإنّما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا : وجدنا الحياة رطبة حارة ، والموت بارداً يابساً ، وهو من طبع التراب ، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصير خلقاً سوياً ، والضدان لا يجتمعان ، فأنكروا البعث من هذه الجهة .
ولعمري إنَّ الضدين لا يجتمعان في محل واحد ، ولا في جهة واحدة ، ولا في الموجود في المحل ، ولكنه يصح وجودهما في محلين على سبيل المجاورة ، فاحتج الله تعالى عليهم بأن قال : ( الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ) (٤) ، فردهم الله عزّ وجلّ في ذلك إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على برده ورطوبته ، فجعل جواز النشأة الأُولى دليلاً على جواز النشأة الآخرة ، لأنها دليل على جواز مجاورة الحياة التراب والعظام النخرة ، فجعلها خلقاً سوياً وقال ( كَمَا
____________________
(١) سورة يس : الآية ٧٩ .
(٢) سورة الروم : الآية ٢٧ .
(٣) سورة الأعراف : الآية ٢٩ .
(٤) سورة يس : الآية ٨٠ .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

