الفكري بعد تحوله عن مذهب المعتزلة ، فالصورة الأُولى صورة غير ناضجة ، وربما أعان عليها حنقه على الاعتزال وخصومته معهم ، والصورة الثانية صورة ناضجة أبدتها فاكرته بعد ملاءمة الظروف ورجوع الهدوء إلى ذهنه وفكره .
ثم إنّ بين الباحثين الغربيين من يرجح العكس ، وأن الصورة العقلية عنده بعد الرجوع عن الاعتزال ، يعطيها كتاب « اللمع » ، لكنّه لما رحل من البصرة إلى بغداد في أخريات حياته ووقع تحت نفوذ الحنابلة ألف كتاب « الإبانة » ، وأثبت الوجه واليدين لله سبحانه . والله أعلم .
٥ ـ رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام
قد أثبت في ذلك الكتاب استحسان الخوض في المسائل الكلامية واستدل بالآيات ، وبذلك قضى على فكرة أهل الحديث الذين يحرّمون الخوض في المباحث العقلية ، ويستندون في عقائدهم بظواهر الكتاب والسنة وقد طبع للمرة الثالثة في حيدرآباد الدكن ـ الهند ـ ، عام ١٤٠٠ هـ ـ ١٩٧٩ م وطبع أيضاً في ذيل كتاب « اللمع » الآنف ذكره ، وهو بكتابه هذا خالف السنة المتبعة بين أهل الحديث ، كما أثارهم على نفسه ، وبما أن تلك الرسالة ـ على اختصارها ـ لا تخلو من نكات وتعرب عن مبلغ وروده بالكتاب وكيفية استنباطه منه ، نأتي بنصّ الرسالة هنا تماماً . قال بعد التسمية والحمد والتسليم :
أمّا
بعد فإنّ طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم ، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين ، ومالوا إلى التخفيف والتقليد ، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين ونسبوه إلى الضلال ، وزعموا أن الكلام في الحركة والسكون والجسم والعرض والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات الباري عزّ وجلّ بدعة وضلالة ، وقالوا : لو كان هدى ورشاداً لتكلّم فيه النبي ( صلی الله عليه وآله وسلم ) وخلفاؤه وأصحابه ! قالوا : ولأن النبي (
صلی الله عليه وآله وسلم ) لم يمت حتى تكلم في كل ما يحتاج إليه من أُمور الدين ، وبيّنه بياناً شافياً ، ولم يترك بعده لأحد مقالاً فيما للمسلمين إليه حاجة من أُمور دينهم ، وما يقربهم إلى الله عزّ وجلّ ويباعدهم عن سخطه ؛ فلما لم يرووا عنه
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

