مذهب أئمة الحديث ، وفي مقدمتهم إمام الحنابلة ، ويقول : قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها ، التمسك بكتاب ربّنا عزّ وجلّ وبسنّة نبينا ( صلی الله عليه وآله ) وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ، ونحن بذلك معتصمون ، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ـ نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته ـ قائلون ، ولمن خالف قوله مجانبون ، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ، ودفع به الضلال ، وأفصح به المنهاج ، وقمع به بدع المبتدعين ، وزيغ الزائغين ، وشك الشاكّين ، فرحمة الله عليه من إمام مقدم ، وجليل معظم ، وكبير مفخم ، وعلى جميع أئمة المسلمين (١) .
ويقرب من ذلك ما ذكره في مقالات الإسلاميين ، حيث إنه بعد ما سرد عقائد أهل الحديث قال : وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب (٢) .
إلّا أن السابر في كتبه يقف على أن هذه التصاريح ليست على إطلاقها ، وإنما اتخذها واجهة لإيجاد المنهج الوسط بين المنهجين .
فإذا كان بعض أهل الحديث يصرون على إثبات الصفات الخبرية لله تعالى ، كالوجه واليد والرجل والاستواء على العرش ، حتى اشتهروا بالصفاتية ، كما اشتهرت المعتزلة بنفاة الصفات ومؤوليها . فجاء إمام الأشاعرة بمنهج وسط ، وزعم أنه قد أقنع به كلا الطرفين ، فاعترف بهذه الصفات كما ورد في الكتاب والسنة بلا تأويل وتصرف ، ولما كان إثباتها على الله سبحانه بظواهرها يلازم التشبيه والتجسيم ـ وهما يخالفان العقل ، ولا يرضى بهما أهل التنزيه من العدلية ـ أضاف كلمة خاصة أخرجته عن مغبة التشبيه ومزلقة التجسيم ، وهي أن لله سبحانه هذه الصفات لكن بلا تشبيه وتكييف .
وهذا هو المميز الثاني لمنهج الأشعري ، فقد تصرف في الجمع بين المنهجين في كل مورد بوجه خاص ، وسيجيء الكل عند عرض آرائه ونظراته .
وقد تفطّن إلى ما ذكرناه بعض من جاء بعده ، منهم :
____________________
(١) الإبانة : ص ١٧ .
(٢) مقالات الإسلاميين : ص ٣١٥ .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

