فينسبه إلى العبد ، والضلال استمراراً فينسبه إلى الله إضلالاً منه للعبد ، جزاءً على ضلاله ، فهناك في رأيهم زيغ من العبد باختياره ، ثمّ إزاغة من الله عقوبةً له على ذلك الزيغ ، هناك انصراف من العبد عن الحق ، ثم صرف من الله للعبد جزاء هذا الانصراف .
والذي نراه كما قلنا أنَّ للعبد قدرة وإرادة ولم يخلقهما الله فيه عبثاً ، بل خلقهما ليكونا مناط التكليف ومناط الجزاء وأساس نسبة الأفعال إلى العبد نسبة حقيقية ، والله يترك عبده وما يختار لنفسه ، فإن اختار الخير تركه فيه يدعوه سابقه إلى لاحقه ، ولا يمنعه بقدرته الإلهية عن استمراره فيه ؛ وإن اختار الشر ، تركه فيه يدعوه سابقه إلى لاحقه ، ولا يمنعه بقدرته الإلهية عن استمراره فيه ، والعبد وقدرته واختياره كل ذلك بمشيئة الله وقدرته وتحت قهره ، ولو شاء لسلب قوة الخير فكان العبد شراً بطبعه لا خير فيه ، ولو شاء لسلبه قوة الشر فكان خيراً بطبعه لا شر فيه ، ولكن حكمته الإلهية في التكليف والابتلاء ، قضت بما رسم ، وكان فضل الله على الناس عظيماً .
ومن هنا يتبين أن العبد ليس مجبوراً ، لا ظاهراً ولا باطناً ، ولا مجزياً على ضلاله بإضلال الله إياه ، فإنّ هذا أمر تأباه حكمة الحكيم وعدل العادل ، وتمنع تصوره .
القضاء والقدر ليس معناهما الإلزام
وبهذا
يكون المؤمنون عمليين ، لا يعتذر الواحد منهم عن تقصير في واجب بالقضاء والقدر ، فليس في القضاء والقدر إلّا العدل المطلق ، والحكمة الشاملة العامة ، ليس فيهما إلّا الحكم والترتيب ، وربط الأسباب بالمسببات على سنة دائمة مطردة ، هي أصل الخلق كله ، وهي أساس الشرائع كلها ، وهي أساس الحساب والجزاء عند الله ، وليس فيهما شيء من معاني الإكراه والإلزام . وإنّما معناهما الحكم والترتيب ، فقضى : حكم وأمر ، وقدر : رتب ونظم ، وعلم الله بما سيكون من العبد باختياره وطوعه ـ شأن المحيط علمه بكل شيء ـ ليس فيه معنى إلزام العبد بما علم الله أنه سيكون منه ، وإنّما هو
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

