إنّ الغزالي من مشاهير الأشاعرة في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس ، وقد اختار في تفسير الكسب نظرية صاحب المنهج ، وقام بتوضيحه بكلام مبسوط نذكره باختصار ، قال : ذهبت المجبرة إلى إنكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة ، والحركة الاختيارية ، ولزمها أيضاً استحالة تكاليف الشرع . وذهبت المعتزلة إلى إنكار تعلق قدرة الله تعالى بأفعال العباد والحيوانات والملائكة والجن والشياطين ، وزعمت أن جميع ما يصدر منها ، من خلق العباد واختراعهم ، لا بقدرة الله تعالى عليها بنفي ولا إيجاد ، فلزمتها شناعتان عظيمتان :
إحداهما : إنكار ما أطبق عليه السلف من أنه لا خالق إلّا الله ، ولا مخترع سواه .
والثانية : نسبة الاختراع والخلق إلى قدرة من لا يعلم ما خلقه ، كأعمال النحل والعنكبوت وغيرهما من الحيوانات التي تقوم بأعاجيب الأعمال وغرائبها ، ثم قال : وإنّما الحق إثبات القدرتين على فعل واحد ، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين ، فلا يبقى إلّا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد . وهذا إنّما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما فتوارد المتعلقتين على شيء واحد غير محال ، كما نبينه .
ثم إنّه حاول بيان تغاير الجهتين ، وحاصل ما أفاد هو : إِنّ الجهة الموجودة في تعلق قدرته سبحانه على الفعل غير الجهة الموجودة في تعلق قدرة العبد . والجهة في الأُولى جهة إيجادية تكون نتيجتها وقوع الفعل في الخارج ، وحصوله في العين . والجهة في القدرة الثانية جهة أُخرى ، وهي صدور الفعل من الله سبحانه عند حدوث القدرة في العبد (١) .
فلأجل ذلك تُسمَّى الأُولى خالقاً ومخترعاً ، دون الثاني ، فاستعير لها
____________________
(١) وأوضح التفتازاني تلكما الجهتين في مقاصده وقال : لما بطل الجبر المحض بالضرورة ، وكون العبد خالقاً لأفعاله بالدليل ، وجب الاقتصاد في الاعتقاد . وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه عندنا بالاكتساب . وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون على وجه الاختراع . . . شرح المقاصد : ص ١٢٧ .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

