قالها ورحل
قال لي كلمات لا أستطيع تذكّرها بالضبط ; إذ مرّ عليها زمن طويل ، لكنّي لازلت أحفظ معناها والمراد منها ، وليس ضروريّاً كشفُ النقاب عن هويّته بقدر بيان فحوى ما أسمعني إيّاه.
لم أتجاوز العاشرة من العمر حينها .. ألهو وألعب وإذا بسهامه تجرحني في الصميم وأنا طفلٌ صغير .. قذفني بما يخدش عقلي وينال منّي ، وصفني بما يباين الفطنة والذكاء الإنساني. منعتني طفولتي وبراءتي ـ كأقراني ـ من الذبّ عن نفسي والدفاع عن حقوقي. أضمرتها في قلبي وحناياي ناراً تلتهب وحمّىً تستعر.
كلّما يصلب عودي وتكثر أيّامي أعود فاُراجع ما مضى منها ورحل ، مراجعةً ساهم ببناء مشروعها في ذاتي وكياني ذلك الرجل العجوز بكلماته القلائل تلك. قالها ومضى إلى سبيله ، أنجز ما أراد إنجازه ببضع ثوان ، إلاّ أنّي بقيت العمر كلّه أنوء بحمل ثقيل. افترضتُ في كلماته ـ لمّا كنت اُكرّر المقصود منها ـ التحدّي أو النقد ; إذ لا مخرج لي ـ للحفاظ على كرامتي ـ سوى حمل المراد منها على ذلك ، حملاً شيّدته أنا كي اُخرج
![نفحات الذّات [ ج ٢ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2837_nafahat-alzat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
