ما ترك معه باباً من أبواب العلم والمعرفة إلاّ وطرقه وارتوى من نميره بما يكفيه ويسدّ حاجته ، فكانت سيرةً عطرةً وحياةً مباركةً غذّت شرايين الفكر والثقافة بأبهى الآراء وأجمل المقترحات وملأت سوح الفضيلة جلالةً وفخراً ، متوّجاً إيّاها بدماء زاكيات سالت على ثرى المبدأ والعقيدة الحقّة ، بعد أن أباحت هدرها فئة ضالّة قادها الحقد الدفين والتعصّب الأعمى إلى ارتكاب تلك الجريمة النكراء ، التي لازال جبين الإنسانية يندى لها خجلاً وحياءً ; ولا عجب من ذلك ، فإنّ له في السبط الشهيد (عليه السلام) اُسوةً حسنةً ونموذجاً رائعاً.
غايد المراد وتمام المقصود : أنّ الشهيد بما خلّفه من مخزون علمي خالد وتراث فكري فذّ ، شاد معهما أرسى القواعد وأمتن المباني وأعمق النظريات ، إنّما كان حصيلة إحاطته الفائقة بالعقليات والنقليات ، فجمع شتّى العلوم وألوان الفنون ، حتى غدى بحدّ ذاته مرحلة من مراحل الفقه الشيعي الثمان ، رفدت متونه بأغنى المفاهيم وأرقى الابتكارات.
هذا هو المدّعى ، أمّا إثباته فلنا أن نقول : إنّ إثبات كلّ مدّعى يحتاج ـ كما لا يخفى ـ إلى المؤنة الدليلية اللازمة مع القرائن المقبولة والشواهد المناسبة وصيغ الطرح الملائمة وسائر اللوازم الاُخرى ، التي تصونه من النقض والردّ وتقوّي فيه جانب الإبرام والثبوت ، فكم من المدّعيات التي اُلغيت أو اُسقطت لافتقادها ما يمكن أن تكادح به المنافيات وتقاوم معه المعارضات.
![نفحات الذّات [ ج ٢ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2837_nafahat-alzat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
