وفي باب بعده أورد الأحاديث التي وردت في فضل حفظ الحديث ، وأنّ من حفظ أربعين حديثاً ممّا تحتاج الأمّة إليه من أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ، ولم يعذّبه ويُشفّع له (١).
وغيرها ممّا يجد المتتبّع كثيراً منها في مديح هذا المقام من العلم والدين.
ثمّ لا يخفى أنّ في ما تقدّم من الروايات التمييز بين دراية الحديث وروايته ، وأنّ المقام الأوّل أعظم شأنا من الثاني ، نظير ما روي من أنّ «حديثاً تدريه خير من ألف حديث ترويه» (٢).
لكن لا يخفى أنّ الدراية للحديث والذي بمعنى الفقاهة طريق آخر غير كثرة الرواية وإن كانت النسبة بينهما من وجه.
وأشكل على ذلك : بأنّ هذه الروايات ضعيفة سنداً ، بل ودلالة ، حيث إنّ المراد من «على قدر رواياتهم عنّا» هو كثرة الرواية بعد ثبوت حجيّة قول الراوي ، لكي يثبت لدينا كثرة روايته عنهم في الواقع ، فتكون مدحاً له ، وأمّا بدون ثبوت حجّية قوله فلا يُعلم إنّ الروايات الكثيرة عنهم ، أو أنّها من وضع الراوي عنهم.
وفيه : إنّ كثرة الرواية ـ كما قد سبق في صدر البحث ـ لها حيثيتان في الكاشفية عن الحسن أو الوثاقة ، فالأولى من جهة كثرة رواية الراوي عن المعصوم عليهالسلام بواسطة أو بدونها ، وظاهر الإشكال في مدلول هذه الروايات ناظر إليه ، والثانية في كثرة رواية الرواة عن الراوي ، لا سيّما إذا كانوا أجلّاء ومن وجهاء وكبار الرواة.
__________________
(١) بحار الأنوار ٢ / ١٥٣ ، باب ٢٠.
(٢) الخصال.
