في المطول وحواشيه للشريف الجرجاني.
ثم أكب الناس عليه في أنواع العلوم ووفد عليه جماعة من المحصلين والتفت إليه قاضي القضاة محيي الدين محمد بن قطب الدين الرومي الحنفي فعرض له في أدنى مدة في تداريس عدة ، فتوطن بحلب وتزوج بها بنت الشيخ الصالح القدوة الحسين العزازي المعروف بالأطعاني ، إلى أن مات بالطاعون في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين ودفن بالأطعانية عند رجل ولي الله تعالى المعروف بالخباز رضياللهعنه ، وكان له يوم دفنه مشهد عظيم تنافس فيه الناس في رفع سريره.
وكنت أقرأ عليه قبل أن يطعن في مسألة القصر المتعلقة بقوله تعالى (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)(١) وأوردت الآية وما تضمنته مما أورده التفتازاني فيها من نسبة الهلاك إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فاستصعب بعض أصحابنا الحاضرين لديه نسبة الهلاك دون الموت إليه ، فقال له الشيخ : قال تعالى : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)(٢). ثم مسه الطاعون بعد هذه الواقعة بقليل فانقطع بالبيت. ثم لما أخذ في النزع سمعته يقرر في تفسير الفاتحة وهو يقول بالفارسية : خوب خوب (٣).
وكان رحمهالله تعالى طويل القامة حسن الوجه مهابا ذا لحية شديدة السواد بها بياض كثير هو أشد ما يكون من البياض ، ضحوك السن متواضعا صالحا محبا للفقراء محسنا إليهم معتقدا للأولياء معولا عليهم ، ترك ما كان له من الثروة ورغب في الفقر وأعرض عن الدنيا ، وقدم إلى ديارنا محلوق الشعر بعد أن كان ذا شعر بناء على ما هو دستورهم من حلق الشعر بعد تربيته إذا هم تركوا الدنيا وسلكوا مسلك أهل الفقر.
وكان ذا ذكاء مفرط واستنباط عجيب للمعاني الدقيقة بحاثا مناظرا سريع التقرير بديع التحرير لا يتوقف في كلامه ولا يتلعثم في إنهاء مرامه ، مع البلاغة والفصاحة والبراعة ، وكان يقول مع هذا : إنه بالفارسية أعلم منه بالعربية. وبلغ من فرط الذكاء إلى أن وصفه الشمس الخناجري بأنه ذو فكر يكاد يثقب الألماس.
__________________
(١) آل عمران : ١٤٤.
(٢) القصص : ٨٨.
(٣) أي : حسن حسن.
![إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء [ ج ٥ ] إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2380_elam-alnobala-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
