والعماد الطارمي وغيرهما ، ثم آل أمره إلى أن صار عند داود وزير السلطان إسكندر شاه سلطان دلي (دهلي) نحو سبع سنين يعلم فيها أولاده العلم ، وكان يمنعه من التردد إلى أحد إلا إلى بعض أساتذته لشدة حرصه عليه ومحبته له. وكانت له خزانة كتب نفيسة فدفع مفتاحها إليه وأبقاه عنده في عيش رغد ، إلا أنه كان مغصوبا في الإقامة عنده لما كان يكره من عشرة ذوي الشوكة وأرباب السياسة وإن كان في بدء أمره عسكريا ، ولم يزل عنده إلى أن احتال على مفارقته بطلب الحج وأوهمه أنه يحج ويرجع ، فخرج من عنده ومر في سفره بمدينة كجرات من بلاد الهند ، فاجتمع فيها بشيخ الإسلام الخطيب أبي الفضل ابن نور الهدى الكازروني الصديقي تلميذ الجلال الدواني ومحشّي تفسير البيضاوي وشارح «الإرشاد» في النحو (١) للقاضي شهاب الدين أحمد الهندي ، وهو التأليف العجيب الغريب الذي التزم مؤلفه فيه بإيراد النظير في ضمن التعبير نحو قوله : ونكرة مخصوصة تقع مبتدأ ، وأخفى نفسه عند اجتماعه به وطلب القراءة عليه في حاشية الشريف قدس الله سره على شرح الشمسية ، فأذن له ودفع إليه من حواشيه المنطقية شيئا يطالع ، فأخذ شيخنا في مناقشته المرة بعد المرة ، فلما عرف مقامه أقرأه في شرح المواقف ، وكان قد سمع به هناك العلامة السيد صفي الدين الإيجي والد (٢) شيخنا القطب عيسى ، فقربه وأكرم مثواه ورتب له عشاء وغداء وخادما خاصا.
ثم توجه إلى مكة فحج وجاور فيها ، ثم إلى بيت المقدس فدخل في طريقه مصر وأقام بالأزهر مدة يقرأ عليه فيها أقوام ، واجتمع فيها بشيخ الإسلام ناصر الدين اللقاني المالكي ، فكان كل منهما يعجبه كمال صاحبه. ثم قدم دمشق قبل وفاة قاضي القضاة ولي الدين ابن الفرفور فأكرم مثواه ورتب له في كل يوم خمسة عثمانية سوى ما عينه له من الحنطة والكسوة في كل عام ، واشتغل عليه بها جماعة. ثم قدم حلب فأنزلناه بمنزلنا ، ثم قطن المدرسة الشرفية وأقبل عليه الناس للقراءة ، فامتحنه بعض الحسدة في مسائل علمية أجاب عنها من غير رؤية نقل ولا روية.
واقترح عليه آخرون «كشف الغطا عن مباحثة قصرت عن دركها الخطا» فكتب عليها ما كتب. وكنت أول من أخذ في القراءة عليه ، فقرأت عليه بجامع حلب الأموي
__________________
(١) في الأصل : إرشاد النحو.
(٢) في «در الحبب» : جد.
![إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء [ ج ٥ ] إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2380_elam-alnobala-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
