وحاجب الحجاب يمشي في خدمته وعصاه في يده إلى أن يجلس في محله فيقرأ بين يديه ما يرفع من القصص إليه لتفصل الخصومات لديه بحضرة قضاة القضاة ومفتي دار العدل على وجه يكون الشافعي عن يمينه وتحته الحنبلي والحنفي عن يساره ودونه المالكي. ثم يقوم حاجب الحجاب فينادي لقضاة القضاة بالانصراف. ويسمى ذلك اليوم بيوم الموكب لتقدم الموكب فيه على الجلوس بدار العدل الفصل بين الخصوم بالعدل.
وكان له موكب إذا صلى الجمعة بالجامع الأعظم بحلب وبين يديه فيه ماشيان بأيديهما طبران نفيسان مكفتان بالذهب والفضة ووراءه خمسة من الخيل مجنوبة مع ما معه من مماليكه الذين كانوا مع مماليكه الكتابية الذين في الأطباق (١) يناهزون ألفا ، فإذا استقر بمقصورته بالجامع كان بها الشربدار ومعه طبق نفيس مغطى بغطاء نفيس يشتمل على أشربة سكرية متنوعة ، وتراه إذا رفع إليه شيء منها أخذ منه قليلا في وعاء صغير وهو يراه فشربه ، وهو المسمى بالششني ، المقصود بشربه الأمن من دس السم إلى ذلك المخدوم. وكانت عدة ماله من الأطباق التي فيها من يؤدب مماليكه ويعلمهم الكتابة وقراءة القرآن تسعة أطباق. مع كثرة مماليكه كان قد استبد وهو كافل حلب باستخدام شرذمة يرمون بالتفنكات كما في عساكر المملكة الرومية ويركبون معه في بعض مواكبه ، وكان له موكب عظيم إذا صلى صلاتي العيد ، غير أنه كان يصلي صلاة عيد النحر بجامع الأطروش فإذا خرج من الصلاة ناوله استدادار الصحبة سكينا ماضية للنحر وفوطة نفيسة يقي بها ثيابه من الدم ، وقدم له أولا جمل فنحره على باب الجامع وهذا لا يأخذه إلا مؤذنوه ، ثم قدم له ما كان من البقر والأغنام فنحر وذبح شيئا فشيئا إلى أن يصل وهو ماش إلى باب دار العدل وتسمى دار السعادة أيضا ، كل ذلك للفقراء ، فإذا دخلها نحر بها وذبح لنفسه ولمن كان من سكانها بعد أن كان بعث في يوم عرفة لبيوت قضاة القضاة في آخرين عدة من البقر والأغنام.
وكان طوالا أسمر اللون غرابيا لم يظهر الشيب في لحيته مع كبر سنه ، ذا شهامة وأبهة وهيبة ، حلو اللسان حسن التدبير محكما لأمر الدنيا متمولا جدا ، حتى عمر بحلب عدة خانات منها خانه الأعظم (لا زال عامرا معروفا بخان خير بك). وكان مما دخل فيه دور
__________________
(١) الأطباق والطباق : ثكنات الجيش المملوكي بالقلعة ، وفيها يتلقى المماليك الكتابة والتعليم الديني وفنون الفروسية.
![إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء [ ج ٥ ] إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2380_elam-alnobala-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
