باب المقام رحمهالله تعالى.
(ثم قال) : ولازم والدي وقرأ عليه بعد التسعين وسبعماية وناظر مشايخه وباحثهم واعترفوا بفضله وحفظ سيرة ابن سيد الناس وكتبها بخطه.
أخبرني أنه أرق ليلة فتذكر أن بعض الخلفاء أرق وكان قد طفىء سراجه ، فأمر بتحويل فراشه فإذا حية تحته ، قال : فحولت مخدتي فإذا أنا بحية تحت مخدتي.
ثم لازمته بعد الثلاثين وكتبت حكمه ، ثم أقلعت عن ذلك وانقطعت للاشتغال وحضرت دروسه بالمدارس والجامع. وكان يقرأ عليه بالجامع التمهيد لابن عبد البر ومنهاج البيضاوي. وقال لي يوما : تتفكه قبل أن تتغدى ، فقلت له : ما معنى هذا؟ فقال : طالع الروضة والشرح فإنها بمنزلة الخبز واللحم ، وأما شروح المنهاج فإنما هي بمنزلة الفاكهة.
وكان يطالع الشرح الكبير للرافعي والروضة ويكثر مطالعتهما بحيث إنه يحفظ منهما الورقة والورقتين وينقلهما بالحرف ، ويحفظ شرح مسلم وقرأ غالبه على والدي.
وكان عالما بالفقه والأصول ، وكان اشتغل به آخرا ، وينزل الفروع على الأصول ، وحفظ كتاب التمهيد للأسنوي في ذلك. وقيل له مرة وهو في السفر : المطلق والمقيد ما يقول فيهما؟ فأخذ يذكر هذه المسألة وما بني عليها من الفروع حتى عجب الحاضرون من ذلك. وكان يحفظ التوضيح لابن هشام.
وكان حليما عفيفا نزها يغضي عن عورات ، لا يتكلم في أحد إلا بخير ، نظيف اللسان ، ويتصامم قصدا عما يكره. وافتقده أهل حلب. ورثاه شيخنا قاضي المسلمين محب الدين أبو الفضل بن الشحنة بقصيدة وأنشدني إياها :
|
ناحت على سلطانها العلماء |
|
وبكت لفقد علائها الشهباء |
|
وأنهد ركن أيّ ركن شامخ |
|
للمسلمين ويتّم الفقهاء |
ومنها :
|
من للمدارس بعده علامة |
|
من للفتاوي إن بغي إفتاء |
|
جلّ المصاب به وعمّ فموته |
|
قسما مصاب ليس عنه عزاء |
|
الله أكبر يا لها من ثلمة |
|
في دين أحمد ما لها إرفاء |
![إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء [ ج ٥ ] إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2380_elam-alnobala-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
