من غير انحراف. ومنبره نهاية في الحسن من الرخام الأبيض والفصوص الملونة ، وكذلك سدته من الرخام الأبيض ، جيد في بابه ، وحائطه فيه وزرة من الرخام الملون السماقي والأبيض وغير ذلك. ومنارته حسنة على هيئة لطيفة مدورة في غاية الإحكام. وكان أولا قبل أن يبنى محلته يباع فيها الخمر ويقال لها محلة الأرمن ، فقيض الله سبحانه وتعالى هذا الرجل فأزال المناكر وأسس هذا الجامع بالعدل والإنصاف كما قال الشاعر :
|
وإذا تأملت البقاع وجدتها |
|
تشقى كما تشقى الرجال وتسعد |
وأصرف عليه من وجه حل. ثم بلغ مشد العمارة أن الصيرفي كان يقطع من كل فاعل حبة ، فأهانه وقال : لو درى بك النائب لأهانك. وكان الفاعل ينام ولا يكلف ويأمره بالصلاة ، وأقام لعمارته ابن المهمندار فقام قياما حسنا وعمره وثمر وقفه وزاد ريعه وشرى له حصصا.
وقد وقف منكلي بغا كتبا نفيسة لهذا الجامع ومنها «التفسير» للقرطبي و «التبصرة» لابن الجوزي و «مجمع الأحباب» للحسيني وغير ذلك من الكتب النفايس ، وقد ذهب نصف مجمع الأحباب وكان كله في مجلدين فذهب مجلد ، وهو كتاب جليل ترجم فيه الأولياء والعلماء وتكلم فيه على طريق الصوفية. ووضع الكتب في خزائن بالجامع المذكور ، وهذه الخزائن متقنة محكمة فيها الصنائع العظيمة على طريق النجارين ، وبلغني أن الشيخ فريكا وهو من الصالحين كان نجار ذلك (١).
وفي تاسع عشر المحرم سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة شرع في نقض الحائط الغربي من هذا الجامع وبعض القبو الملاصق له لأنه انشق قديما وأراد الحاج عمر الجابي لوقفه أن يبني فيه قناطر وأن يضعها على الصفوية ، وهي تربة للصفوي وعليها وقف في طاحون الدوير وبها قبر ، وكان هناك قراء لهم معلوم مرتب من ريع الوقف ، واشترى لذلك أحجارا عظيمة ورأيت بعضها على باب الجامع فلم يتفق ذلك ، وكان قد اجتمع مال من ريع الجامع وهو مدخر بالجامع المذكور ، فتقاسم المباشرون المال ولم يبنوا شيئا من الجامع ، فزاد التقطع في السنة المذكورة لما أحدثوا قناة حمّام المالحة في أساسه ، فذهب أهل المحلة إلى كافل حلب
__________________
(١) لا خزائن الآن هناك ولا كتب وقد رأيت منها تفسير القرطبي في بعض البيوت في ١٥ مجلدا وهو نسخة نفيسة جدا.
![إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء [ ج ٥ ] إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2380_elam-alnobala-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
