وأمَّا قولك : فإنَّ قريشاً اختارت ، فإنَّ الله تعالى يقول : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) وقد علمت يا أمير المؤمنين أنَّ الله اختار من خلقِه لذلك مَنْ اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفِّقت وأصابت .
ثُمَّ قال : وأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقِّ من هو ، ألم تحتجَّ العرب علىٰ العجم بحقِّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، واحتجَّت قريش علىٰ سائر العرب بحقِّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ! فنحن أحقُّ برسول الله من سائر قريش (١) .
وأمثال ذلك من الأعذار التي كان يلتمس منها ابن الخطَّاب سبباً يبرِّر موقفهم من الإمام عليٍّ عليهالسلام ، وهي كثيرة يطول بذكرها المقام ، وقد عدَّها سبباً في إقصاء الإمام عليٍّ من الخلافة (٢) .
وبعد مدَّةٍ وجيزة واصل عمر حروب الفتوح ، فبعث المثنىٰ بن حارثة الشيباني في مواصلة تلك الحروب في نواحي العراق ، فهزمهم الفرس ففرُّوا إلىٰ الأطراف ، فوقف عمر من أمره حائراً ، وأخذ يستشير الصحابة في أن يخرج هو بنفسه في مواصلة الحرب . .
ولمَّا استشار عليَّاً عليهالسلام نهاه عن الخروج قائلاً : « نحن علىٰ موعدٍ من الله ، والله منجزُ وعده ، وناصر جنده ، ومكان القيِّم بالأمر مكانُ النظَام من الخرز ، يجمعه ويضمُّه ، فإذا انقطع النظام تفرَّق الخرز وذهب ، ثُمَّ لم يجتمع بحذافيره أبداً ، والعرب اليوم ، وإن كانوا قليلاً ، فهم كثيرون بالإسلام ،
_______________________
١) انظر : الكامل في التاريخ ٢ : ٤٥٨ ، تاريخ الطبري ٥ : ٣١ ، شرح ابن أبي الحديد ١٢ : ٥٣ ـ ٥٤ ، والآيات حسب التسلسل ، سورة محمَّد : ٩ ، سورة القلم : ٤ ، سورة الشعراء : ٢١٥ ، سورة القصص : ٦٨ .
٢) انظر شرح ابن أبي الحديد ١٢ : ٧٨ ـ ٧٩ ، ٦ : ٤٥ ، ١٢ : ٤٦ .
