إسناديّ». [قال شهاب الدين](١) وهذا ـ كما ترى ـ قد أساء العبارة في حق الزمخشريّ ؛ بما زعم أنه غلط ، وهو صحيح مستقيم ، وليت شعري كيف لا ينتظم الإسناد من «أحد» الموصوف بالجملة التي بعده ، ومن الجارّ قبله؟ ونظيره أن تقول : «ما في الدّار رجل إلّا صالح» فكما أن «في الدار» خبر مقدّم ، و «رجل» مبتدأ مؤخر ، و «إلّا صالح» صفته ، وهو كلام مفيد مستقيم ، فكذلك هذا ، غاية ما في الباب أنّ «إلّا» دخلت على الصفة ؛ لتفيد الحصر ، وأما ردّه عليه حيث قال : جملة قسميّة ، وإنما هي جواب القسم ، فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه ، ويكفيه مثل هذه الاعتراضات.
واللام في «ليؤمننّ» جواب قسم محذوف ، كما تقدّم. وقال أبو البقاء (٢) : «ليؤمننّ جواب قسم محذوف ، وقيل : أكّد بها في غير القسم ؛ كما جاء في النفي والاستفهام» ، فقوله : «وقيل ... إلى آخره» إنما يستقيم ذلك ، إذا أعدنا الخلاف إلى نون التوكيد ؛ لأنّ نون التوكيد قد عهد التأكيد بها في الاستفهام باطّراد ، وفي النفي على خلاف فيه ، وأما التأكيد بلام الابتداء في النفي والاستفهام ، فلم يعهد ألبتة ، وقال (٣) أيضا قبل ذلك : «وما من أهل الكتاب أحد ، وقيل : المحذوف «من» وقد مرّ نظيره ، إلا أنّ تقدير «من» هنا بعيد ، لأن الاستثناء يكون بعد تمام الاسم ، و «من» الموصولة والموصوفة غير تامّة» ، يعني أن بعضهم جعل ذلك المحذوف لفظ «من» ، فيقدّر : وإن من أهل من إلّا ليؤمننّ ، فجعل موضع «أحد» لفظ «من» ، وقوله : «وقد مرّ نظيره» ، يعني قوله تعالى : (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ) [آل عمران : ١٩٩] ومعنى التنظير فيه أنه قد صرّح بلفظ «من» المقدّرة ههنا.
وقرأ أبيّ (٤) : «ليؤمننّ به قبل موتهم» بضم النون الأولى مراعاة لمعنى «أحد» المحذوف ، وهو وإن كان لفظه مفردا ، فمعناه جمع ، والضمير في «به» لعيسى ـ عليهالسلام ـ ، وقيل : لله تعالى ، وقيل : لمحمّد ـ عليهالسلام ـ ، وفي «موته» لعيسى ، ويروى في التفسير ؛ أنه حين ينزل إلى الأرض يؤمن به كلّ أحد ، حتى تصير الملّة كلّها إسلامية وهو قول قتادة ، وابن زيد (٥) وغيرهما ، وهو اختيار الطّبريّ.
وقيل : يعود على «أحد» المقدّر ، أي : لا يموت كتابيّ حتى يؤمن بعيسى قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه.
ونقل عن ابن عبّاس ذلك ، فقال له عكرمة : أفرأيت إن خرّ بيت أو احترق أو أكله سبع؟ قال : لا يموت حتّى يحرّك بها شفتيه ، أي : بالإيمان بعيسى (٦).
__________________
(١) ينظر : الدر المصون ٢ / ٤٥٩.
(٢) ينظر : الإملاء ١ / ٢٠٢.
(٣) ينظر : الإملاء ١ / ٢٠١.
(٤) ينظر : البحر المحيط ٣ / ٤٠٨ ، والدر المصون ٢ / ٤٦٠.
(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٩ / ٣٨٠ ، ٣٨١) عن قتادة وابن زيد.
(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٩ / ٣٨٣) عن ابن عباس.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٧ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3098_allubab-fi-ulum-alkitab-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
