ما يذكر من شواهد لدعوى الأخباريين من صحّة كلّ ما في الكتب الروائية ، فإنّ شواهد الدعوى الاخرى وان كانت تامّة في نفسها إلّا أنّها لا تثبت الدعوى المتقدّمة ، بل هي موجبة لانحلال شواهد الدعوى الأولى بوجود العلم الإجمالي بوقوع التدليس.
وعليه فتسقط كلتا الدعويين ويكون المدار على صحّة السند حينئذ ، وليس ذلك من باب التساقط عند الشك والتعارض ، بل لتولّد العلم التفصيلي اللاحق بانحلال العلم الإجمالي المزبور ، أي العلم بوقوع الغربلة والتصفية والمقابلة والتثبّت والتشدّد لكلّ روايات الأصول الأربعمائة وكتب المجاميع بعدها بعرضها أمّا على الأئمّة عليهمالسلام أو على ما استفاض من رواياتهم عليهمالسلام بحيث طُرح كلّ ما علم بتدليسه أو وقع ضمن دائرة العلم بحسب الموارد والأبواب.
وأمّا الشواهد على تولّد العلم التفصيلي فملخّصها هو ما وقع من تشدد القميين إلى الغاية ، بل قد أفرطوا في ذلك في صيانة النقل ، حيث كانوا يخرجون من (قم) كلّ من يروي عن الضعفاء والمجاهيل ، وإن لم يُعلم أنّ تلك الرواية مدلّسة أو مدسوسة ، فهذا البرقي الجليل قد أخرجوه وغيره من عشرات الرواة الأجلّاء ، وكذا ما استثنوه من كتاب نوادر محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري ، الموسوم كتابه (بدبّة شبيب) ، وغيرها من الكتب التي استثنوا كثيراً من رواياتها تصلّباً منهم في تنقية الحديث ، وكم من راوٍ ضعّفوه وهجروا روايته لمجرّد دعواهم الغلوّ في حقّه مع أنّ مبناهم في حدّ الغلوّ ـ ضابطته ـ إفراط من القول ، كما ذكر ذلك عامّة متأخّري هذه الأعصار ، وهذا التشدّد في الوقت الذي أوجب عمليّة تصفية وتنقية في الحوزات الروائية الحديثية ، وأوجب ظاهرة المداقّة المتناهية في غربلة طرق الحديث ، إلّا أنّه في الوقت نفسه أوجب ضياع جزء من التراث الروائي.
