وتنقل في الوظائف السنية في كلتا الدولتين الجركسية والرومية ، فولي في دولة الجراكسة كتابة السر ونظر الجيش ونظر القلعة بحلب ، وكذا ولي أستدارية السلطان بها ، إلا أنه تجمع عليه للخزاين الشريفة مال جزيل فورد الأمر السلطاني برفعه إلى قلعتها ليؤخذ منه المال ، وساء به الحال ، فصمم العزم على الفرار منها إلى الأبواب الشريفة ليصلح أمره بها بمشارفة من له بها من الأصحاب ، ففعل ، فلما وصل إلى الأبواب الشريفة نصحه المقر المحبي بن أجا كاتب الأسرار الشريفة بالممالك الإسلامية وصمم عليه وهو مختف عنده في أن لا يقيم بهذه المملكة أصلا ، وأخبره أن السلطان الغوري يومئذ كان قد عورض من جهتك وهو حاجب الحجاب بحلب في أمر فلاح كنت منعته من مطالبته بحق كان له عليه لكونه من فلاحي جهات السلطنة المتصرف أنت فيها ، فإن ظهرت له ربما يوقع فيك أمرا ، فانتصح ومر من القاهرة في البحر إلى القسطنطينية ، فبينما هو فيها إذ داع دعاه إلى مفتيها فدخل عليه فإذا هو صاحب له قديم كان قد صحبه من حلب إلى القاهرة في سفرة قديمة للقاضي جمال الدين إليها رافقه هو فيها متوجها إلى الحج من طريق القاهرة وهو العلامة علاء الدين علي الجمالي والد فضيلة قاضي حلب المتقدم ذكره ، فأكرم عند ذلك مثواه لما أن القاضي جمال الدين من الأسخياء سفرا وحضرا. ثم صار له بها خمسون درهما عثمانيا من الخزائن الشريفة العثمانية البايزيدية ، فمكث بها مدة تزيد على ست عشرة سنة. ثم لما زالت الدولة الجركسية وزال ما كان يخشاه عاد إلى ديار العرب وتولى القضاء بسيجر وبإسعرد وبصفد ، وتولى على المدرسة الماردانية بصالحية دمشق ذاكرا أن توليتها له بشرط واقفها.
ورافق زين العابدين سبط ابن الفناري قاضي حلب مع ثالث لهما في تفتيش الأملاك والأوقاف لرد ما لا صاحب له إلى بيت المال ، فلم ير الحلبيون ذوو الأملاك والأوقاف منه ضررا ، غير أنه ذكر أنه كان على قرية من ستين جهة رماح معدودة ، وعرض ذلك على الحضرة الخنكارية خشية على نفسه من أن يقال في شأنه قد أخفى عنهما ما أخفى ، فلما عرض على الحضرة الخنكارية ما عرض حصل منها السماح لمن كانت عليه الرماح.
ثم كانت له من خزانة دمشق علوفة جيدة إلى أن توفي بصالحيتها من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة ودفن بجبل قاسيون بوصية منه بعد ما كان دفن أولاده بداره وأعد له قبرا. ولم يعقب ولدا ولا ولد ولد ولا من دونه.
![إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء [ ج ٥ ] إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2380_elam-alnobala-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
