صحبه بدمشق وهو كافلها ، ثم بالقاهرة وقد ولي بها الإمرة الكبرى على إمامته عنده ، إلى أن قبض عليه بعض من صارت السلطنة إليه بعد السلطان قايتباي خوفا من أن يتسلطن قهرا عليه وحلف له أن لا يقتله ، ثم وضعه في حائط مجوف وسد عليه إلى أن مات ، فعاد الشيخ محيي الدين إلى حلب بعد أن صودر يسيرا واشتغل بها بحسب حاله وأفتى ورأس فركب الخيل وتجمل بالملبس النفيس ، وأنشأ في داره داخل باب المقام العماير الحسنة والكتبية المشتملة على الكتب النفيسة ، وصار مفتي دار العدل بحلب من غير أن يكون غيره مفتيا بها يومئذ وإن كانت في الزمن السابق ذات مفتيين على ما وجدته في تاريخ المحب أبي الفضل ابن الشحنة.
ثم كانت له في الدولة الرومية علوفة من المملحة فوق ماله من الثروة ، وولي فيها من المناصب مشيخة التغري ورمشية ومشيخة الزينبية ونظرها ونظر الأطروش.
ثم كانت وفاته سنة أربع وثلاثين ودفن بداره بوصية منه ، وصلى عليه إماما الزين عمر الشماع في ملأ عظيم.
وكان عنده شهامة وتعظيم عظيم لمن يعظه وإحسان لمن يرد على حلب من فضلاء العجم ، وصبر على تبكيت البدر السيوفي به ، غير أنه تعاظم على شيخه العلاء الموصلي فبلغه أنه صحف كلمة يشبه في المنهاج الفرعي من الشوب وهو الخلط بلفظ يشبه من الشبه ، وحمل ما ذكره البيضاوي في قوله تعالى (فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ) من قراءة التثقيل على تشديد القاف مع ضم الحاء مع أن المراد بها مجرد ضم الحاء من غير تشديد للقاف فهجاه بقوله :
|
يا سائلي عن جهول |
|
يتيه في الجهل حمقا |
|
لم يدر بين يشبه |
|
وبين يشبه فرقا |
|
وخالف الله فيما |
|
أبداه في الذكر حقا |
|
وقال فيه سحقّا |
|
سحقا له ثم سحقا |
وبالغ في هجوه من قال :
|
يا منتسبا إلى سعيد الذّمّي |
|
ما بالك هكذا ثقيل الدمّ |
|
إن دمت على ذاك فلا تذكر ما |
|
قد قلت وما أقوله من ذمّ |
![إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء [ ج ٥ ] إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2380_elam-alnobala-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
