وبالجملة : الأمور التوقيفية على الشرع إما نفس الأحكام الشرعية أو موضوعاتها إذا كانت عبادة ، وأمّا غيرها فليس بتوقيفي ، بل يرجع فيه إلى اللغة أو العرف أو غيرهما ، إلاّ أن يقع من العرف اشتباه أو شبهة أو اختلاف ، فيرفع الشرع جميع ذلك.
ومعلوم أن الحيض ليس بحكم شرعي ولا من العبادات ، بل من القسم الثالث ، والشرع لرفع الاختلاف مثلا قال : أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، ولرفع الشبهة والاشتباه قال : دم الحيض ليس به خفاء ، هو دم حارّ. ، على أن غالب الحيض لما كان بالصفات المتلازمة بعضها مع بعض ـ إلا ما شذّ وندر ـ اعتبرها ، لأن الغلبة مظنة وأمارة مرجحة ، وكم من أمارات ظنية اعتبرها الشرع في أبواب الفقه ، ومنها وقوع الدم في أيام العادة وإن كان أصفر باردا ، بل وكدرة ، فإن المظنون كونه حيضا ، بل هو أقوى من الصفات في الاعتبار والشرع ، كما سيجيء.
ومنها خروجه من الجانب الأيسر ، على الأظهر كما ستعرف ، بل لعل الغالب والراجح والظاهر أنّ المرأة التي بلغت مبلغ النساء في الحيض وشرعت في رؤية الدم أنّه حيض ، لأنه الأمر العادي الخلقي الغالب في النساء ، وأما الدماء الأخر فهي على خلاف ذلك ، بل وموقوفة على حوادث ، والأصل عدمها ، إلاّ أن تكون أمارة دالة عليها.
ولعله لما ذكرنا ذهب الأصحاب إلى أن ما أمكن أن يكون حيضا فهو حيض وادعوا الإجماع. ويؤيده ملاحظة كثير من الأخبار حيث رجح الشارع طرف الحيض في ما احتمله وغيره ، ولم يكن أمارة على غيره. بل وربما يعلل للحكم بكون الدم حيضا باحتمال التقدم والتأخر ، كما سنشير.
ولعله لما ذكرنا أيضا ما اعتبروا هذه الصفات إلا فيما إذا استمر الدم ، إذ لا يمكن الحكم بأن المجموع حيض.
![الحاشية على مدارك الأحكام [ ج ١ ] الحاشية على مدارك الأحكام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F673_hashie-madarek-ahkam-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
