وما عن الشيخ الاعظم من ان حبس المالك عن الانتفاع بملكه وجعل الجواز تابعا لعدم تضرر الجار ، حرج عظيم (١) ، غير تام. لان الحرج المنفي عبارة عن الحرج الوارد على الانسان اذا منع عن حقوقه الشرعية القانونية.
واما الحرج الوارد على الانسان لاجل عدم الانتفاع بما لم يشرع له ، فليس مرتفعا. فلو صار الانسان في حرج من جهة المنع عن النظر الى المحرمات ، والحرمان من المحظورات ، فليس له استساغته لاجل الحرج ، وقد أوضحنا حال القاعدة في الرسالة التي افردناها لهذه القاعدة. والحاصل : ان المنع عن الانتفاع عن الملك بما هو خارج عن حدود السلطنة على المال في نظر العقلاء ، لا يعد ضررا ولا حرجا.
والعجب ان الشيخ يعد تضرر الجار فى المقام معارضا لما دل على عدم وجوب تحمل الحرج والضرر عن الغير ، كما يدل عليه تجويز الاضرار مع الاكراه ، وجه العجب انه اذا منع من التصرف لا يتحمل ضرر الغير ، بل غايته انه يمنع عن الاضرار بالغير ، ويمنع عن الانتفاع بماله على وجه يكون نفعه اكثر. وانما يصدق تحمل الضرر اذا كان الضرر موجودا دائرا بين الشخصين ، كالسيل المتهجم ، فيفتح بابه ليصون به دار جاره. واين هو من المنع عن الانتفاع غير الرائج لئلا يتضرر الجار بعمله.
اذا عرفت حكم القسمين الاخيرين فلنرجع الى بيان أحكام الصور الباقية ونكتفي ببيان حكم الاولى ، ومنها يظهر حكم البقية.
الصورة الاولى عبارة عما اذا دار الامر بين الضررين ، فلو تصرف في ملكه يتضرر الجار ، ولو ترك يتضرر هو نفسه.
اقول : لهذه الصورة حالتان :
١ ـ ان يعد تصرفه في ملكه تصرفا في ملك الغير ، كما اذا كان حفر الارض
__________________
(١) رسالة «لا ضرر» المطبوعة فى آخر المكاسب ص ٣٧٦.
