اما اولا : فان منصب الحكم وان كان لا ينفك عن نصب وعزل وامر ونهي مع وجوب طاعة الناس لما يصدر عنه ، إلّا ان الأوامر المناسبة لذاك المنصب هي الأوامر التي تصدر بصورة جزئية ولا تدخل تحت ضابطة ، وتختلف صورها باختلاف الظروف ، كعزل وال ونصب آخر مكانه ، وما يرجع الى كيفيات القتال ، وحبس المتهم أو اطلاقه ، وعقد اتفاقية مع قوم أو نقضها ، وكتقسيم اراضي بني النضير بين المهاجرين ، الى غير ذلك من الامور التي يلزم تنفيذها حفظا للأحكام الكلية الالهية وصيانة لها. وبما ان تلك الاحكام المزبورة لا تدخل تحت ضابطة خاصة ، وربما تقتضي المصلحة الأمر بالشيء واخرى النهي عنه ، وقد جاء الوحي الالهي ملزما بتنفيذ ما أتى الرسول به وما نهى عنه قائلا (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر / ٧) ، فالمولى سبحانه فوض حكم تلك الموارد الجزئية الى ولي الامر لا بصورة فوضوية بل في اطار مصلحة الامة مع عدم مخالفة ما يأمر وينهى للأحكام الكلية الشرعية. وقوله سبحانه (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب / ٣٦) ، راجع الى القضاء في هذه الموارد.
وأما الأحكام الكلية ، كالنهي عن الضرر والضرار ، والحرج والمشقة ، التي لا تختص بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان ، حيث ان الاضرار قبيح والايقاع في الحرج لا يوافق الفطرة ، ففي مثلها يكون الحكم إلهيا ناشئا من ملاحظة المصالح والمفاسد الكلية دون الوقتية والزمنية ، لا حكما سلطانيا صادرا عن المنصب الموهوب للنبي صلىاللهعليهوآله.
ويؤيد ذلك ان في قصة سمرة احكاما سلطانية لها طابع الجزئية والوقتية ، كأمره بالاستئذان وقلع الشجرة ورميها في وجهه ، صدرت لحفظ الحقوق أو لقلع جذور الفساد. واما قوله : «لا ضرر» فهو حكم الهي له طابع الكلية والدوام وهو المصحح للأوامر السلطانية الجزئية.
