وقد تقدّم إعراب هذا في نحو قوله تعالى : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ) [البقرة: ٩٦] ، فأغنى عن إعادته وقال ابن عطيّة (١) : «اللام للابتداء» ، وليس بشيء ، بل هي لام يتلقّى بها القسم ، و (أَشَدَّ النَّاسِ) مفعول أوّل ، و «عداوة» نصب على التمييز ، و «للّذين» متعلّق بها ، قويت باللام ؛ لمّا كانت فرعا في العمل على الفعل ، ولا يضرّ كونها مؤنثة بالتاء ؛ لأنها مبنية عليها ؛ فهي كقوله : [الطويل]
|
٢٠٣١ ـ ... ورهبة |
|
عقابك ... (٢) |
ويجوز أن يكون «للّذين» صفة ل «عداوة» فيتعلّق بمحذوف ، و «اليهود» مفعول ثان ، وقال أبو البقاء (٣) : «ويجوز أن يكون «اليهود» هو الأول ، و «أشدّ» هو الثاني» وهذا هو الظاهر ؛ إذ المقصود أن يخبر الله تعالى عن اليهود والمشركين بأنّهم أشدّ الناس عداوة للمؤمنين ، وعن النصارى بأنهم أقرب الناس مودّة لهم ، وليس المراد أن يخبر عن أشدّ الناس وأقربهم بكونهم من اليهود والنصارى ، فإن قيل : متى استويا تعريفا وتنكيرا ، وجب تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني ؛ كما يجب في المبتدأ والخبر ، وهذا من ذاك ، فالجواب : أنه إنما يجب ذلك حيث ألبس ، أما إذا دلّ دليل على ذلك ، جاز التقديم والتأخير ؛ ومنه قول : [الطويل]
|
٢٠٣٢ ـ بنونا بنو أبنائنا ، وبناتنا |
|
بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد (٤) |
ف «بنو أبناء» هو المبتدأ ، و «بنونا» خبره ؛ لأنّ المعنى على تشبيه أولاد الأبناء بالأبناء (٥) ؛ ومثله قول الآخر : [البسيط]
__________________
(١) ينظر : المحرر الوجيز ٢ / ٢٢٥.
(٢) تقدم.
(٣) ذكر في الإملاء ١ / ٢٢٣ أن اليهود : هو المفعول الثاني لتجد.
(٤) البيت للفرزدق ينظر : خزانة الأدب ١ / ٤٤٤ ، الانصاف ١ / ٦٦ ، شرح شواهد المغني ٢ / ٨٤٨ ، شرح المفصل ١ / ٩٩ ، شرح الأشموني ١ / ٩٩ ، شرح ابن عقيل ١١٩ ، الدرر ٢ / ٢٤ ، الحيوان ١ / ٣٤٦ ، أوضح المسالك ١ / ١٠٦ ، مغني اللبيب ٢ / ٤٥٢ ، همع الهوامع ١ / ١٠٢ ، تخليص الشواهد ١٩٨ ، دلائل الإعجاز ٢٤٠ ، ارتشاف الضرب ٢ / ٤١ ، الدر المصون ٢ / ٥٩٠.
(٥) الأصل تقديم المبتدأ وتأخير الخبر ؛ لأن المبتدأ محكوم عليه ، فلا بد من تقديمه ليتحقق ، ويجوز تأخيره حيث لا مانع نحو : قائم زيد ، ويجب التزام الأصل ، لأسباب أحدها : أن يوهم التقديم ابتدائية الخبر ، بأن يكونا معرفتين أو نكرتين متساويتين ، ولا قرينة ، نحو : زيد أخوك ، وأفضل منك أفضل مني ، فإن كان قرينة ، جاز التقديم ، نحو : أبو يوسف أبو حنيفة ، وقوله بنونا بنو أبنائنا ؛ حيث قدم الخبر وهو «بنونا» على المبتدأ وهو «بنو أبنائنا» مع استواء المبتدأ والخبر في التعريف ، فإن كلّا منهما مضاف إلى ضمير المتكلم ، وإنما ساغ ذلك ؛ لوجود قرينة معنوية تعين المبتدأ منهما ، فإنك قد عرفت أن الخبر هو محط الفائدة ؛ فما يكون فيه أساس التشبيه ، وهو الذي تذكر الجملة لأجله فهو الخبر ، ألا ترى أنه لا يحسن أن يكون بنونا هو المبتدأ لأنه يلزم فيه إلّا يكون له بنون إلّا بني أبنائه ، وليس المعنى على ذلك ، فجاز تقديم الخبر هنا مع كونه معرفة ، لظهور المعنى وأمن اللبس. ـ
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٧ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3098_allubab-fi-ulum-alkitab-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
