وأجيب عن ذلك بأنّا وإن اشترطنا اتحاد الفاعل فإنّا (١) نجوّز اعتقاد النصب في «أن» و «أنّ» إذا وقعا مفعولا من أجله بعد حذف حرف الجر لا لكونهما مفعولا من أجله ، بل من حيث اختصاصهما من حيث هما بجواز حذف حرف الجر لطولهما بالصلة وفي هذه المسألة بخصوصها خلاف مذكور في بابه ، ويدلّ على ذلك ما نقله الواحدي عن صاحب «النّظم» ، فإنّ صاحب «النظم» ذكر عن الزجاج (٢) معنى ، وهو : هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم ، أي : إنّما كرهتم إيماننا ، وأنتم تعلمون أنّا على حق ؛ لأنّكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم ، وهذا معنى قول الحسن : نقمتم علينا.
قال صاحب «النّظم» : فعلى هذا يجب أن يكون موضع «أن» في قوله : (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) نصبا بإضمار «اللام» على تأوي ل «ولأن أكثركم» ، والواو زائدة ، فقد صرح صاحب النظم بما ذكرناه.
الوجه السادس : [أنه] في محل نصب على أنه مفعول من أجله ل «تنقمون» والواو زائدة كما تقدّم تقريره عن الزمخشري.
[وهذا الوجه الخامس يحتاج إلى تقرير](٣) ليفهم معناه ، قال أبو حيّان (٤) بعد نقله الأوجه المتقدمة : «ويظهر وجه آخر [لعلّه] يكون الأرجح ، وذلك أن «نقم» أصله أن يتعدى ب «على» تقول : «نقمت عليه» ، ثم تبني منه [افتعل إذ ذاك](٥) ب «من» ويضمّن معنى الإصابة بالمكروه ، قال تعالى : (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ) [المائدة : ٩٥] ، ومناسبة التضمين فيها أنّ من عاب على شخص فعله ، فهو كاره له ، ومصيبه عليه بالمكروه ، فجاءت هنا «فعل» بمعنى «افتعل» ك «قدر» و «اقتدر» ، ولذلك عدّيت ب «من» دون «على» التي أصلها أن تتعدى بها ، فصار المعنى : وما تنالون منا ، وما تصيبوننا بما نكره ، إلا أن آمنّا ، [أي : إلّا لأن آمنا ،](٦) فيكون (أَنْ آمَنَّا) مفعولا من أجله ، ويكون (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) معطوفا على هذه العلة ، وهذا ـ والله أعلم ـ سبب تعديته ب «من» دون «على» انتهى ما قاله ، ولم يصرح بكونه حينئذ في محلّ نصب أو جرّ ، إلّا أن ظاهر حاله أن يعتقد كونه في محل جرّ ، فإنه إنّما ذكر في أوجه الجر.
وأمّا الجرّ فمن ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه عطف على المؤمن به.
قال الزّمخشريّ (٧) : «أي : وما تنقمون منّا إلا الإيمان بالله ، وما أنزل ، وبأن أكثركم فاسقون» وهذا معنى واضح ، قال ابن عطية (٨) : «وهذا مستقيم المعنى ؛ لأن إيمان
__________________
(١) في أ : فإنما.
(٢) ينظر : معاني القرآن ٢ / ٢٠٥.
(٣) في أ : ويظهر وجه آخر إلى تقرير.
(٤) ينظر : البحر المحيط ٣ / ٥٢٨.
(٥) في ب : افعل فبعدانه.
(٦) سقط في أ.
(٧) ينظر : الكشاف ١ / ٦٥١.
(٨) ينظر : المحرر الوجيز ٢ / ٢١٠.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٧ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3098_allubab-fi-ulum-alkitab-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
