وأما الخنزير فقال العلماء (١) : الغذاء يصير جزءا من جوهر المتغذّي ولا بدّ أن يحصل للمتغذّي أخلاق (٢) وصفات من جنس ما كان حاصلا في الغذاء ، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات (٣) ، فحرّم الله أكله على الإنسان لئلّا يتكيّف بتلك الكيفيّة ؛ وذلك لأنّ الفرنج لما واظبوا على أكل لحم الخنزير أورثهم الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المشتهيات ، وأورثهم عدم الغيرة ، [فإنّ الخنزير يرى الذّكر من الخنزير ينزو على الأنثى التي له لا يتعرض إليه ؛ لعدم الغيرة ، وقد](٤) تقدم الكلام على الخنزير واشتقاقه في سورة البقرة.
وأمّا الشاة فإنها حيوان في غاية السّلامة ، وكأنّها ذات عارية عن جميع الأخلاق ، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكلها كيفيّة أجنبيّة عن أحوال الإنسان.
وأمّا ما (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) ، والإهلال رفع الصوت ، ومنه يقال : فلان أهلّ بالحجّ إذا لبّى ، ومنه استهلال الصّبي وهو صراخه إذا ولد ، وكانوا يقولون عند الذّبح باسم اللّات والعزّى ، فحرم الله ذلك ، وقدّم هنا لفظ الجلالة في قوله : (وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) وأخّرت (٥) في البقرة [آية ١٧٣] ؛ لأنّها هناك فاصلة ، أو تشبه الفاصلة بخلاف هاهنا ، فإنّ بعدها معطوفات.
والمنخنقة وهي التي تموت خنقا ، وهو حبس النّفس سواء فعل بها ذلك [آدميّ أو] اتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه.
وذكر قتادة أنّ أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها ، فإذا ماتت أكلوها ، وذكر نحوه ابن عباس (٦).
والموقوذة : وهي التي وقذت أي : ضربت حتى ماتت من وقذه أي ضربه حتى استرخى ، ومنه وقذه النّعاس أي : غلبه ووقذه الحلم ، أي : سكنه وكأنّ المادة دالّة على سكون واسترخاء ، ويدل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات ، وهي ـ أيضا ـ في معنى الميتة وفي معنى المنخنقة ، فإنها ماتت ولم يسل دمها.
والمتردّية : من تردّى ، أي : سقط من علوّ فهلك ، ويقال : ما يدرى أين (٧) «ردى»؟
أي : ذهب ، وردى وتردّى بمعنى هلك.
قال تعالى : (وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى) [الليل : ١١] ، والمتردّي أنواع : فالمتردية هي التي تسقط من جبل أو موضع مشرف أو في بئر فتموت ، فهذه ميتة ، لأنّها ماتت وما سال
__________________
(١) ينظر : الرازي ١١ / ١٠٥.
(٢) في ب : الخلاف.
(٣) في أ : المنهيات.
(٤) سقط في أ.
(٥) في أ : وأخبرت.
(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٩ / ٤٩٥) عن قتادة.
(٧) في أ : من.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٧ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3098_allubab-fi-ulum-alkitab-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
