والوجهان من حيث الضعف كالسابقين :
اما الأول : فلان الحياة في البادية خصوصا ـ يوم ذاك ـ كانت مقرونة بالضيق والمشقة ، وكانت الآبار قليلة والتمكن من الماء امرا غير سهل ، فكان منع الغير من سقي المواشي ولو ببذل المال ، موجبا لتعرض الأنعام والمواشي للهلاك والدمار ، لان منع السقي كان ملازما لترك الرعي والانتقال من البادية الى بادية اخرى فيكون موجبا لضرر اقوى. وليس الامتناع عن بذل الماء كالامتناع عن بيع السيارة وما يعد من ادوات التجمل.
وبذلك يظهر ضعف الوجه الثاني ، فان الظاهر لزوم البذل وحرمة المنع ، رعاية لمصالح المسلمين اذا انحصر الماء في البادية بماء واحد. وقد أفتى بهذا الشيخ في المبسوط وابن زهرة في الغنية ، ونقله العلامة عن ابن الجنيد في المختلف. والقول بان النهي مخالف لقاعدة السلطنة ضعيف ، لانه مخالف لاطلاقه في بعض الاحايين ، ولا بعد فيه ، كالزام المحتكر على البيع في عام الضيق ، وصاحب الدابة على بذل العلوفة لها ، والرجل لعائلته.
قال الشيخ في الخلاف : اذا ملك البئر بالاحياء وخرج ماؤها فهو أحق بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته ، وما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره لحاجته اليه للشرب ، له ولماشيته. ولا يجب عليه بذله لسقي زرعه ، بل يستحب له ذلك. ثم ذكر أقوال الفقهاء واستدل على مختاره بالروايات (١).
وقال في المبسوط : فكل موضع قلنا انه يملك البئر فانه أحق بمائها بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقى زرعه ، فاذا فضل بعد ذلك شيء ، وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج اليه لشربه وشرب ماشيته من السابلة وغيرهم ، وليس له منع
__________________
(١) الخلاف ، ج ٢ ، ص ٢٢٤ ـ ٢٢٥ ، كتاب احياء الموات ، المسأله ١٣.
