والتعديل حكم من الأحكام ولا تثبت الأحكام إلّا بشهادة شاهدين».
وقال في المسألة الخامسة عشر : «إذا حظر الغرباء في بلد عند الحاكم فشهد عنده اثنان فإن عرفا بعدالة حُكّما ، وإن عرفا بالفسق وُقّفا وإن لم يعرف عدالة ولا فسقاً بحث عنهما ، وسواء كان لهما السيماء الحسنة والمنظر الجميل وظاهر الصدق ، وبه قال الشافعي.
وقال مالك : إن كان المنظر الحسن توسّم فيهما العدالة حكم بشهادتهما ، دليلنا قوله تعالى (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ)(١) وهذا ما رُضي بها» (٢).
أقول : والناظر لعبارة الشيخ في المسألة الأولى المتقدّمة يوهم وهماً شديداً بأنّه قائل بأنّ الأصل في المسلم والمؤمن العدالة ، بينما إذا ضُمّت المسألة الأخيرة والمسألة المتوسّطة مع المسألة الأولى ، يتّضح جليّاً لا خفاء فيه أنّ الشيخ في صدد التفصيل بين من تحصل معه العِشرة من المسلمين والمؤمنين ، بحيث لا يظهر عليه خلاف الصلاح ولا سوء ولا منافي للعدالة ، وبين من يكون من المسلمين أو المؤمنين من الغرباء الذين لا خلطة ولا معاشرة للإنسان بهم ، فإنّه يجب أن يتحرّى أمارات العدالة فيهم ، وبين من شُهد عليه بكلّ من الجرح والتعديل وإن كانت به خلطة وعِشرة ، فإنّه حكم في الشقين الآخرين بلزوم الفحص دون الأوّل لا لكون الأصل فيه العدالة كما توهّمه العبارة ، بل استناداً إلى أمارات الصلاح المحسوسة بالعشرة والخلطة ، فلا حاجة للتنقيب معها عن ثبوت الجرح ،
__________________
(١). البقرة / ٢٨٢.
(٢) الخلاف ٦ / ٢١٧ ، أبواب القضاء ، المسألة العاشرة ، الحادية عشر ، الخامسة عشر.
