🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

فلابدّ إذن من الثبات بكلّ عزم وحزم على القيم والمبادئ التي تمثّل وجودنا وحقيقتنا والذود عنها بأرقى الأدوات المعرفيّة والعلميّة ذوداً يخلو من كلّ أنواع المداهنة والمساومة والنكوص ، متلقّين الوارد الجديد والحديث تلقّياً نسقيّاً استقرائيّاً تحليليّاً يخضع لكلّ مراحل الاختبار والمقارنة والتحقيق والمراجعة والاستنطاق ، ثم الأخذ بما لا يتنافى مع أصالتنا وقيمنا ، بل ويسهم في تحريك واقعنا نحو النموّ والازدهار والخير والأمان والفلاح.

منها : لقد اُتيحت الفرصة لمدينة النجف ـ بما اختصّت به من مزايا وصفات ـ أن تكون قطب الرحى وكعبة العلم والمعرفة ومعقل المرجعيّة ومهوى أفئدة عشّاق الثقافة والأدب والفنون .. وهذا ما ترك آثاره الواضحة على المجتمع النجفي ، فراح أبناء هذه المدينة يفخرون بانتمائهم إليها ، فخراً جاوز بعض الأحيان خطوطه المنطقيّة إلى حالات التعالي والغرور اللذين صنعا أوهاماً ابتُلي بها هذا المجتمع كما ابتُلي بها غيره.

فراح العديدون يحتمون تحت عباءة الحرم الطاهر والحوزة العلميّة والأندية الثقافيّة ، وهذه المحاور لا تقيم لهم وزناً ولا تعرف لهم مجداً ولا تحفظ لهم جهداً معرفيّاً ثقافيّاً سوى أنّهم من هذه المدينة جغرافيّاً ; وغدا الانتماء الاُسري سيّد الموقف والحاكم على الملاكات والموازين الاُخرى .. والمعروف بين أوساطنا : أنّ بعض النجفيّين من ذوي الاُسر الشهيرة يعدّون هويّتهم الاُسريّة قيمةً غاليةً تفوق القيم والاُسس المعهودة ،

٣٢١

أمّا الناس من سائر المدن والأمصار فهم بأعين بعض النجفيّين إمّا سذّج أو معدان أو لا يفقهون شيئاً.

وإن تأ لّق أحدٌ سواهم فلابدّ أنّه تعلّم بالنجف!! على حدّ زعمهم ، علماً بأنّ الغالبيّة العظمى من قاطني النجف ليسوا منها بل وفدوا إليها من البلدان والمدن الاُخرى ، وهذا هو حال الحواضر العلميّة والثقافيّة والمدنيّة حيث تمتاز بتعقيداتها الإثنيّة والعرقيّة والمذهبيّة وتلوّن الانتماءات واختلاف المشارب والاُصول فيها ، فاختاروا البقاء بين ظهرانيها وكوّنوا اُسرهم ووجودهم في رحابها. والمتداول منذ القدم أنّ النجف لم تكن معروفةً أو مأهولةً إلاّ بعد احتضانها الجسد الطاهر لأميرالمؤمنين عليه السلام ، واشتهرت فيها عشيرتان هما «الشمرت» و «الزگرت» والباقون جاءُوها من الأماكن الاُخرى للأسباب التي ذكرنا.

إنّ هذا الابتلاء قد صنع فجوةً لازالت تتفاعل وتكبر يوماً بعد آخر ، ونحن إذ نعلم والكلّ يعلم ما لهذه الفجوة من عواقب سيّئة تضرّ بنا جميعاً وتخدم مناوئينا كثيراً ، بات من الضروري التصدّي لهذه الظاهرة غير الحضاريّة بالحوار والعقلانيّة كي تزداد العقول والقلوب اُلفةً ومحبّة بالقيم والاُسس الحقّة ، ولاسيّما أنّ الذي يجمعنا أشمخ ممّا يفرّقنا .. وفي التولّي لمن قامت به النجف وازدهرت ربوعها بفضله خيرُ موعظة وأرقى تذكرة وعبرة.

٣٢٢

معاناة طلبة العلوم الدينيّة

لكلّ فكر ورسالة وهوية وانتماء مؤنٌ ومبادىءٌ وأدواتٌ ومناهج ، علومٌ ومعارفٌ وثقافات وأعراف ، تضحّي من أجلها وتجاهد لصونها وبثّها أيّما تضحية وجهاد. الجميع يدّعي الريادة والصدارة القيميّة الحضاريّة من خلال أدلّة وبراهين وشواهد يرى أنّها الأحكم والأقوى. الجميع عندهم أقطابهم ومحاورهم من العلماء والمفكّرين والمنظّرين والمثقّفين والمتخصّصين والخبراء والكتّاب والنقّاد وغيرهم.

نحن أيضاً اُمّة لنا ما لغيرنا ممّا هو مذكور أعلاه ، بافتراق اعتقادنا أنّ رسالتنا الإلهيّة خاتمة ومكمّلة كلّ الرسالات التي جاءت قبلها ، أنّ رسالتنا خير الرسالات ، بدليل نصّ القرآن الكريم النازل على صدر خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله).

ونرى نحن الشيعة الإثني عشريّة أنّنا الفرقة الناجية من فرق الإسلام التي جاوزت السبعين فرقة ; إذ سرنا على خطى ورؤى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ـ وصي النبيّ الأكرم وخليفته بالحقّ من بعده ـ وأبنائه الطيّبين الطاهرين (عليهم السلام) ، آخرهم المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف الذي نعتقد بوجوده

٣٢٣

حيّاً بين ظهرانينا وسيظهر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً. نؤمن أنّنا ـ كمذهب ـ نمثّل الإسلام الحقيقي بمبادئه ومفاهيمه وأصالته ، الإسلام الذي يعني : المحبّة والسلام والخير والأمان والازدهار والفلاح ، الإسلام الذي يمثّل مكارم الأخلاق بكلّ فضائلها ومحاسنها ، إنّنا الوجه العقلاني الحواري الحضاري للإسلام الصحيح ، هكذا نرى.

إنّ رجالنا من علماء ومفكّرين ومنظّرين ومثقّفين ومتخصّصين وخبراء وكتّاب ونقّاد وما سواهم ، بحسب قدراتهم وإمكانيّاتهم وآليّاتهم المتفاوتة ، يبذلون الجهد والسعي لإبراز المحتوى والشكل السليم لانتمائنا وهويّتنا وفكرنا ورسالتنا.

وقد تحمّل رجال الدين عبر مرّ التاريخ ـ فقهاءً وعلماءً وطلاّباً ـ العبء الأثقل في الذود عن قيم الدين والمذهب ، بمختلف السبل والوسائل ، وعانوا الأمرّين وقدّموا التضحيات الغالية وجادوا بما لديهم ليرقى الإسلام وتشمخ الاُسس الحقّة.

وبات من الضروري أن تجد المؤسّسة الدينيّة لكيانها الكبير نسقاً ونظماً يدير شؤونها ويبرمج خطواتها ، ولاسيّما مع هذا الكمّ الهائل من طلاّب العلوم الدينيّة المستقرّين في شتّى أنحاء العالم ، الذين هم في تزايد مضطرد يوماً بعد آخر.

وتعدّ مدينة قم في إيران حاضرة التشيّع الاُولى في العصر الحاضر ، من حيث عدد طلبة العلوم الدينيّة الذي يربو على الثمانين ألف طالب ،

٣٢٤

والإمكانيّات الهائلة والأساتذة المرموقين ، والدعم اللاّمتناهي من القيادة العليا في البلاد .. إلى ذلك : وجود حرم السيّدة العلويّة فاطمة بنت موسى

ابن جعفر (عليه السلام) ، والمراجع العظام ، اللذين ميّزا هذه المدينة وجعلا من حوزتها العلميّة هي الرائدة بين الحوزات العلميّة الشيعيّة حالياً ، ممّا أضفى عليها أهمّيّة مضاعفة من حيث التفوّق العلمي والثقافي والتحقيقي ; فلا غرابة من وجود أكثر من خمسمائة مركز ومؤسّسة ومعهد معرفي تخصّصي فيها.

إنّ مدينةً بهذه الأهمّيّة والمحوريّة والعالميّة لابدّ أن تضطلع مؤسّستها الدينيّة بدور حضاري راق في إدارة شؤون علمائها وأساتذتها وطلاّبها ومدارسها ، وبالفعل فإنّ مديريّة الحوزة العلميّة في قم هي المعقل الرسمي الذي يدير ذلك ، التي انبثق إلى جانبها بعد انتصار الثورة الإسلاميّة المركز العالمي للدراسات الإسلاميّة ـ تغيّر اسمه مؤخّراً إلى جامعة المصطفى العالميّة ـ حيث يدير شؤون الطلبة الأجانب.

إنّ طالب العلوم الدينيّة متفرّغٌ ومنهمكٌ تماماً ـ إلاّ القليل ـ بتلقّي الدروس والمعارف الإسلاميّة ثم التباحث فيها ومراجعتها وتدريسها ، طبق النمط السائد في السلك والتسلسل الحوزوي ، وإلاّ فإنّ فرص التقدّم والتطوّر العلمي تبقى محدودة ضئيلة لمن لا يبذل الجهد على النسق المذكور.

هذا الطالب مصدر رزقه الوحيد ما تمنحه له المراجع العظام من

٣٢٥

رواتب ومعاشات شهريّة مع بعض الهدايا بمناسبة الأعياد الدينيّة خلال السنة. وتتولّى مديريّة الحوزة أو جامعة المصطفى العالميّة مهمّة التنسيق والتنفيذ في منح الراتب وعدمه عبر ضوابط ونظام يطول بيان جزئيّاته ومراحله الشاقّة المعقّدة والتي لابدّ منها بعض الأحيان ; لغربلة وانتماء وإبقاء من هو أهل وكفء لمواصلة الدراسات الدينيّة ، حتى يكون جنديّاً من جنود صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف بالمعنى الصحيح ، جنديّاً يفهم القيم ويذود عنها ويسعى لنشرها ، جنديّاً يصبح نموذجاً علميّاً عمليّاً أخلاقيّاً ، واجهةً ناطقةً حاكيةً الخزين الثرّ والمحتوى النفيس من الرؤى والبصائر والمبادئ الإنسانيّة السليمة ، مترفّعاً بذلك عن تفاهات المادّة ومغرياتها وظواهر الدنيا ومهاويها ، مندفعاً بدافع العقيدة والحبّ والإخلاص على جناح العزّة والشرف والكرامة المحمديّة السرمديّة.

إلاّ أنّه من المؤسف حقّاً أن نجد أحياناً غياب النظم وطغيان اللامبالاة على أذهان المتصدّين لإدارة شؤون الطلبة ، ممّا يترك انطباعاً وصورةً سيّئةً لا تتناسب مع أهمّيّة الدور وخطورة المهام.

إنّ المشاهدات الميدانيّة المتكرّرة لظواهر البيروقراطيّة والفوضى وفقدان الإحساس بالمسؤوليّة واللاّمركزيّة المثيرة والتسيّب الملحوظ وعدم الجدّيّة في أداء المهامّ وحلّ المشكلات ... لا تحتاج إلى مزيد استقراء وعناء لضبطها والعثور عليها ، فهي واضحة جليّة لكلّ من ابتلي بها.

٣٢٦

فهذا يبحث عن وثيقته التي فُقدت ـ وفقدان الوثائق والأوراق أشبه بالأمر العادي هناك ـ منذ شهر وشهرين بل وأكثر من سنة أحياناً ، وذاك الذي ينتظر درجات اختباره التي ضاعت ولا يعلم عنها شيئاً ، وثالث ينتظر سنةً أو سنتين ولم تُضف درجاته الجديدة في اختبارات الترقية إلى سجلّه ، ورابع طال نقله من كذا مدينة إلى قم أو العكس كذا فترة ماراثونيّة ، وخامس لم يتحقّق انتقاله من سجلّ الطلبة الأجانب إلى مديريّة الحوزة منذ منحه وثيقة الانتقال قبل عام ونصف وأكثر ، وسادس يلهث كي يحصل بشقّ الأنفس مع كلّ التوصيات على إجازة فتح مدرسة علميّة في كذا مدينة نائية فلا يحصل عليها إلاّ بالمعجزة ، وسابع رغم الأوامر المكتوبة من قبل الرجل الأوّل في مديريّة الحوزة العلميّة بوجوب إنجاز طلبه لا يعار له ولتلك الأوامر أيّ اهتمام وعناية ، وثامن مكبوس في حاجته بين مطرقة الفريق الذي غادر وسندان الفريق الذي تسلّم مقاليد الاُمور حديثاً فغدا هو الضحيّة ، وتاسع لا يدري ماهيّة الموظّف والمسؤول الذي ينجز طلبه ، فهذا يرشده إلى غرفة رقم كذا وذاك يرشده إلى غرفة اُخرى وهكذا ، وعاشر كلّما قصد الشخص المسؤول عن قضيّته وجد بابه مغلقاً فهو إمّا في إجازة قصيرة أو طويلة أو في الدرس ، وإن تواجد فبالكاد تصله النوبة ، وإن وصلته يعلّق مسألته إلى اُسبوع أو اُسبوعين وأكثر ، وحذاري أن تكون أوراقك وملفّك ناقصة استنساخاً أو صورة بعد كلّ مراحل العناء والانتظار ، فهذا يعني تأخّر إنجاز قضيّتك لوقت غير معلوم إثر الأوضاع السائدة من تسيّب ولا مبالاة وغيرهما.

٣٢٧

أمّا أنّك في وضع لا يمكّنك من استلام مرتّبك الشهري بسبب ظروف ملفّك وسجلّك الحوزوي المعلّقة على همّة وحزم وعزم المديريّة نفسها ، أو أنّ تأمينك الصحّي والاجتماعي معلّق لذات السبب ، فهذا ما لا يحرّك غيرة أيّ أحد من هؤلاء لينجز عملك المؤخّر بسبب إهماله وعدم شعوره بالمسؤوليّة.

ولطالما ذكّرتُ المهتمّين بشؤون الحوزة العلميّة بهذه الحالة السلبيّة المعشعشة في واحدة من أهم وأخطر معاقلنا ، المؤسّسة الرسميّة التي تُعنى بشؤون مَن هم حملة العلم والفقاهة والمعارف ، الذين يبذلون كلّ ما بوسعهم لخدمة الدين والمذهب ، هذه المؤسّسة التي ينبغي لها أن تكون نموذجاً يُحتذى به في النظم والعزم والحزم والشعور بالمسؤوليّة والالتزام ، لكنّها للأسف غير كفوءة لإدارة شؤون هذه الطبقة العظيمة الشريفة من اُمّتنا الإسلاميّة ، طبقة الروحانيّين.

من المؤسّف حقّاً أن تكون من الهموم الكبيرة التي يعاني منها طالب العلوم الدينيّة هذه المراجعات الإداريّة التي تقضّ مضجعه وتؤرّق جفونه وتثير اضطرابه ، وهو المفروض به التفرّغ والانهماك في دراساته وأبحاثه ومطالعاته ، وشغل ذهنه وأفكاره بما ينمّي مواهبه وطاقاته العلميّة والثقافيّة لا أن ينشغل بأسماء الذين ينبغي مراجعتهم إداريّاً.

ولعلّه من المناسب الإشارة إلى حالة مقلقة في النظام الحوزوي الموجود ، قد لا يكون لمديريّة الحوزة دخل أساسي فيها ، إنّها مسألة كسر

٣٢٨

وتخفيض راتب الطالب غير المعمّم ، بداعي إيجاد المحرّك عنده نحو التعمّم.

إنّ العمامة شرفٌ ومظهر روحاني مقدّس ، إنّها تمثّل الوجود العلمي والمعنوي لطالب العلوم الدينيّة ، والتتوّج بها يستلزم شروطاً ومواصفات خاصّة ، وطالب العلوم الدينيّة المعمّم لابدّ وأن يبلغ مرتبة علميّة وأخلاقيّة تؤهلانه لتقلّدها ، بحيث تصير وسيلة لمواصلة السعي المعرفي والمعنوي ، لا غاية ومترساً يختبئ خلفها ويصنع منها درعاً وملجأً ومصدر رزق ; إذ تغدو بذلك سلعة رخيصةً تفقد هيبتها وموضوعيّتها وتنزل أسوأ العواقب بصاحبها الذي ما عاد يمثّل نفسه فقط ، إنّما هو واجهة كلّ هذه الشريحة المقدّسة التي تحمّلت ـ ولا زالت ـ أعباء حفظ ونشر القيم والمفاهيم الحقّة. فلِمَ نحوّلها إلى سلعة رخيصة بالدعوة لها من خلال المال والتطميع؟! وما يدرينا فلعلّ المناوئ الدني قد استفاد من هذه الفرصة ليضاعف أجر من يمتنع عنها أو يخلعها بعد ارتدائها مادامت القضيّة قد لبست ثوباً جديداً ، ثوباً من الربح والخسارة الدنيويّة.

وما شكواي إلاّ لدوام اعتقادي أنّ طبقة الروحانيّين هي أشرف وأجلّ طبقات المجتمع وأنبلها أخلاقاً وإيماناً وعلماً ومعرفةً وعملاً.

ومن الإنصاف أن نقول : إنّ المركز العالمي للدراسات الإسلاميّة

ـ جامعة المصطفى العالميّة ـ يمتاز بالنظم والجدّيّة والالتزام والإحساس بالمسؤوليّة أكثر قياساً إلى مديريّة الحوزة العلميّة ، وهذا ما يعترف به

٣٢٩

بعض أعضاء المديريّة الذين قابلتهم وسمعت منهم ذلك مباشرة.

كيف لنا أن ننهض بقيم واُسس ومناهج نقنع بها الدنيا ونحن لازلنا نعاني ضعفاً في أوّليات اُمورنا نظماً وتفكيراً وأداءً ، لازلنا نحبو أبطأ من السلحفاة في عالم ملاكه السرعة والحركة المثيرة ، حبواً فيه الكثير من الوقفات والتعثّرات والالتواءات الخطيرة. إنّنا إن لم نستطع إرساء المفاهيم والأساليب الحضاريّة في معاقلنا الرئيسة وكياناتنا الاستراتيجيّة فأ نّى لنا طرح رسالتنا عالميّاً بادّعاءات عريضة وأهداف كبيرة.

إن بقينا على أوهامنا وتعبّداتنا المطلقة واللطم على عزّنا السالف ومجدنا الضائع ; إن ظلّت القشور والمظاهر همّنا الأوّل وغايتنا المرجوّة خشيةً من الولوج في عمق المحتوى الذي يستدعي الاستنطاق والمراجعة والمقابلة والبعثرة ; إن لم نفهم مبادئنا فهماً صحيحاً ; فسوف لن تقوم لنا قائمة أبداً ، وستلاحقنا لعنة السالفين واللاحقين من أبناء اُمّتنا الذين سلّمونا مقاليد اُمورهم ووثقوا بنا أيّة ثقة ، الثقة التي فرّطنا بها بفعل أدواتنا الخاطئة وهوى أنفسنا الذي لا يتوقّف عند حدٍّ معيّن ، ومن المؤسف حقّاً أن نكون على هذا الحال ونحن دعاة رسالة غزت العقول والقلوب على السواء وأزالت الفوارق العنصريّة ودعت الناس إلى الحبّ والايمان والخير والفلاح ، إنّنا بلا شكّ دون الكفاءة المناسبة لهكذا رسالة مادمنا لا نغيّر ما بأنفسنا من صور وحالات تسير بالاُمّة إلى مهاوي التخلّف والخسران.

٣٣٠

الشهرستاني حلقة الوصل بين الخامئني والسيستاني

كثيرةٌ هي الأبحاث والدراسات والمطالعات التي خاضت وتخوض غمار النقاش والحوار بخصوص حوزتي النجف الأشرف وقم المقدّسة ، من حيث النشأة والتاريخ والخصائص والمزايا ومراحل النموّ والازدهار وعوامل التراجع في بعض الأزمان ، ومن حيث التلاقي والافتراق في بعض القضايا والنقاط.

وعزف غير قليل من النقّاد والمراقبين على وتر الاختلاف بين الحاضرتين الشهيرتين ، فراح جاهداً توسيع الهوّة وتعميق الفجوة وتصوير الحال بصورة النزاع والصراع والتباعد الشديد المآل ، من خلال التركيز على المسائل المبنائية الخلافية التي تعدّ في الأوساط المعرفية الشيعية من الاُمور الطبيعية ; لذا لم ينتج هذا العزف لحناً مقبولاً ; فطالما نجد خلافات علمية مبنائية بين فقهاء وعلماء الحوزة الواحدة ، بل الحلقة الواحدة ، الخلافات التي لا تُعدّ نقطةً مظلمةً فحسب ، بل علامةً مضيئةً في الأوساط الحوزوية ; بسبب كونها تثير التنافس العلمي الشريف وتشحذ الهمم الفكرية نحو خلق مناخ يحفل بالبحوث الجادّة والنقاشات الساخنة التي

٣٣١

تتمخض أرقى النتاجات وأدقّ الآثار ، وهذا ما نلحظه بوضوح وجلاء في كلا الحوزتين ، حيث خرّجتا أساطين العلم والمعرفة من الفقهاء والمجتهدين والنخب الشامخة على مدى الحقب والأعوام ـ ولاسيّما حوزة النجف ذات الأكثر من ألف عام ـ ورفدتا المحافل الثقافية بروائع الكتب والمصنّفات.

وبإزاء ذلك ، لعب البعض الآخر دوراً هامّاً في ردم الهوّة وكسر الفجوة بين قطبي العلم والمعرفة ، بين النجف وقم ، الهوّة والفجوة اللتين صنعتهما الرؤى الغريبة المغرضة والأفكار الحاقدة الدخيلة على فضاء التشيّع وثقافته الحوارية.

ومن الذين يشار إليهم بالبنان في هذا الميدان السيّد جواد الشهرستاني ذي الستّين عام ، هذا الرجل ـ المعروف بحفظ التوازنات ، وفكره الخلاّق المؤسّساتي ومبناه الجذبي الاستقطابي وأدائه الإداري الاستثنائي وخلقه الرفيع الإنساني ـ كان يصرّ منذ البدء ـ وقبل أن يؤسّس مؤسّسته الشهيرة المعروفة بمؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث سنة ١٩٨٤ م ـ على ضرورة التواصل بين حوزتي النجف وقم ، وقد لاقى جرّاء ذلك أشدّ الضغوط والمضايقات والافتراءات من القريب ناهيك عن البعيد ، لكنّه واصل العزم بجدّ وحزم ; لإيمانه الراسخ بكون كلا الحاضرتين إحديهما عمق الاُخرى ، إحديهما لا تستغني عن الاُخرى.

نعم ، لقد أينعت الثمار وحان وقت الحصاد ، فإذا بهذا الرجل قد غدا

٣٣٢

بجدارة حلقة الوصل الأمينة ، بين النجف وقم ، بين النجف وطهران ، حيث طهران هي قم وقم هي طهران في الحسابات المعروفة ، هذا الرجل الحاذق صار نقطة الارتكاز العميقة بين المرجع الأعلى السيد علي السيستاني وبين قائد جمهورية إيران الإسلامية السيد علي الخامنئي.

وغير خاف على الجميع ما نتج عن هذا التواصل والتنسيق والانسجام من خيرات لاحت بشائرها على العراق وإيران سريعاً ، وستعمّ بركاتها على المنطقة والعالم قريباً ، مع أنّ آتي الثمار سيكون أكثر وأكبر وأينع بعون الله تبارك وتعالى.

إنّها خصيصة ابتكار ورشحة دهاء وشهادة نقاء وشاخص عطاء تسجّل للشهرستاني وتحسب له في ملفّه الإبداعي.

٣٣٣

السيّد جواد الشهرستاني كما عرفته

قيل لي كراراً مراراً : لِمَ لا تكتب في السيّد جواد الشهرستاني شيئاً وأنت قريبٌ منه وإليه؟

قلت وأقول : طالما كنت أقفز فوق الجواب متشبّثاً بهذا العذر وذاك ; حتى اُموّه على السبب الأساس ، وإذ أجدني غير مضطرٍّ إلى الكشف عمّا أعمل عليه منذ زمن طويل وأمد بعيد ، فلا مندوحة من تسليط الضوء على بعض الاُمور سريعاً خاطفاً.

ولعلّ ما طالعته عنه مؤخّراً منقولاً في موقع «المسلّة» قد حفّزني كي اُضيف على الشعر بيتاً.

لستُ بصدد الإشارة إلى سيرته وخصائصه ومميّزات شخصيّته وعطائه العلمي والديني والاجتماعي ، فقد قيل ودُوِّن عنها الكثير ، بل هي نارٌ على علم ، وتكرار المكرّرات من أشكل المشكلات ، إنّما شهادة التاريخ تدعوني كي أعترف لهذا الرجل بأ نّي لولاه لما حقّقتُ حلمي الشغوف منذ الصبا وطموحي الناهد منذ زمن طويل مضى ، حين همس

٣٣٤

في قلبي وعقلي وأفكاري ، هَمْسَ الناصح الرفيق والعضيد الشفيق ، بالجدّ والعمل ، لا باللفظ والهزل ، «سر على بركة الله» فانطلقتُ سائراً في رحاب المعارف ومناخ الأنظار أشمّ عبير الكتب وأريج الأسفار ، أهوى بساتين الأبرار وحدائق الأخيار ، أنهل منها نهل الصادي قدر ما يروي ضمأي ويشفي غليلي ويحقّق مرادي ، حتى صارت الكتابة متنفّسي وأداتي لاُعبّر بها عمّا يرشح من رؤاي وآلامي ، معاناتي وأفكاري ، ولا تهافت بين إقراري بحبوي وضعفي وقلّة زادي في دروب الكتابة والتدوين وبين كيمياء الجرأة والثقة بالنفس اللذين زرعهما هذا الرجل في عقلي وقلبي وروحي وغذّاهما حناياي وأعماقي.

ولعلّ من عجائب الدهر وقسوة الأيّام أن ينال قلمي هذا الرجل بين الفينة والاُخرى بالنقد الجارح تارةً والملاحظة الشفّافة اُخرى والاستشكال المؤلم ثالثة ، فلا يجابهني إلاّ بمنهج الحوار والنقاش الساخن الجادّ رغم قدرته الفائقة ونفوذه الواسع وكلمته المدوّية التي تمكنّه من فعل ما يشاء دون صعوبة وعناء. ناهيك عن إعزازه لي بعدئذ وزيادة احترامه أكثر من ذي قبل وأنا الذي تعلّمت منه الكثير ثم قابلته بالنقد والاستشكال المرير .. ألا يتداعى إليك هنا الشاهد الشهير : «وكم علّمته صنع القوافي فلمّا قال قافيةً هجاني» أو نظيره : «اُعلّمه الرماية كلّ يوم فلمّا استدّ ساعده رماني»؟! أمّا هو فيتداعى إليه ـ اعتقاداً ـ مبنى «الجذب والاستقطاب خيرٌ من الطرد والاستبعاد».

وهذا ما جعله الكهف والملجأ والملاذ لشتّى ألوان الناس وأطيافهم.

٣٣٥

أمّا تستّره على عيوب وأفعال الآخرين رغم فضاعتها وأضرارها الجسيمة عليه ، فهو من جميل خصاله وروائع خصائصه.

سريع الغضب وسريع الرضى ، وهنيئاً لمن يناله غضب هذا الرجل ، فإنّه يغدق عليه من سابغ جوده وحنانه فلا يُبقي أيّ أثر سيّء في الذهن والقلب.

حركته الدؤوبة لا تلمس فيها تصنّعاً ولا تكلّفاً ، حركةٌ ذائبة في عمق القيم والمبادئ والمفاهيم الحقّة ; لذا نالت حظّها من التسديد والمباركة والتأييد.

يجمع بين حزم المدير المقتدر وربّ البيت المدبّر وإخلاص الرفيق وحنان الشقيق.

كثيراً ما اُصمّم على عدم الذهاب إلى المؤسّسة وعدم الالتقاء به ، لكنّي أجد نفسي نهاية المطاف مستأنساً مجالساً له ، ما السرّ يا تُرى؟ لا أدري.

أقولها قاطعاً : كلّنا نخطأ ونغفل وننسى ، ولا يُستثنى هذا الرجل منها .. إلاّ أنّنا لو وضعنا ما له في كفّة وما عليه في الاُخرى لهوت الاُولى سريعاً من فرط ثقلها وزيادة وزنها ..

لنا : الدليل الساطع والبرهان القاطع والمؤيّد اللامع ، فلا تصل النوبة لمبحث الجرح والتعديل.

٣٣٦

هذه ليست سوى إضاءة ، ومضة ، زاوية ، وإلاّ فالمشروع ضخم مثير يفتقر الجهد الغفير والسعي الكبير.

أقول : سيّدنا السيستاني! سيّدنا المرجع الأعلى! بوركتَ وبوركنا وبورك الدين والانتماء وطرّ الإنسانية جمعاء بهذا الصهر البارّ والوكيل المطلق المغوار والعلم العيلم الموّار ، بورك الكلّ بهذا الفخر وهذه الدرّة الناصعة على جبين الحبّ والسلام والإيقونة الزاهرة بالأمان والاطمئنان ، واللوحة المشرقة بالإيمان والوفاء والعطاء ، عطاء الوصف والعنوان.

٣٣٧

وقفة بلا عنوان

حينما يقال : مرجعيّة السيستاني ، يتبادر إلى الذهن : الدين والتقوى ، الحكمة والوقار ، المنزلة الطيّبة في القلوب ، الإخلاص والجهد الحثيث للارتقاء بواقع الاُمّة على شتّى الأصعدة والميادين ...

يتبادر إلى الذهن : الالتزام العملي بالمباني والمناهج والأنساق التي ألزمت المرجعيّة نفسها بها ، فمهما حاول الآخرون إرغامها كي تحيد عن ذلك ، لكنّها بقيت طوداً أشمّ وصرحاً شامخاً لا تناله أدوات الاستفزاز الرخيصة والأساليب السخيفة ، وبقي السيستاني صمّام الأمان وقطب الاطمئنان وملاذ الناس بمختلف صنوفهم ومراتبهم ، يشهد بذلك الداني والقاصي ويقرّ به العدوّ قبل الصديق.

وللسيستاني رجالٌ ، وأشهرهم وكيله العامّ السيّد جواد الشهرستاني ، ابن المرحوم آية الله السيّد عبدالرضا ، إحدى الشخصيّات العلميّة المعروفة بكربلاء ، المدفون بمشهد الإمام الرضا عليه السلام.

لقد شغل السيّد جواد الناس وملأ الدنيا بحركته الدؤوبة التي

٣٣٨

لا تعرف السكون والتوقّف ، فما إن وجد في مدينة مشهد المجال الضيّق الذي لا يلبّي طموحاته وأهدافه حتى انطلق قاصداً الفضاء الرحب ، حوزة قم المقدّسة ، كي يترجم أمانيه إلى واقع عملي وممارسة حقيقيّة ، ولم يأبه أبداً بهيبة أجوائها العلميّة المزدهرة.

استفاد السيّد جواد الشهرستاني من ميادين قم الثقافيّة أيّما استفادة رغم محاولات بعض الجهات والأفراد الحدّ من نشاطاته أو إفشال جهوده التي كانوا يعدّونها نوع منافسة ومزاحمة أو مخالفة لتوجّهاتهم ، ولاسيّما صدورها من طالب علوم دينيّة في مقتبل العمر ، قادم من النجف ، لم ينخرط في سلك السياسة ، بل اعتبره البعض مناوئاً لنظام الجمهوريّة الإسلاميّة ، مع كونه مؤيّداً داعماً لهذا النظام ، لكنّه يسير طبق المبنى الذي يعتقد به. والأعجب أنّ طرفي المعادلة كليهما ـ أهل الثورة ومخالفيها ـ صنّفاه في الصفّ المناوئ!! وإنّنا طبق معرفتنا بهذا الرجل فإنّ قلبه مع الثورة لكنّه غير ملتزم بمبنى ولاية الفقيه المطلقة ، ولقد ثبت ـ على مدى الأعوام الماضية ـ صدق هذا المدّعى لدى مسؤولي الجمهوريّة الإسلاميّة من خلال ما يبديه من إخلاص وشفّافيّة وحبّ لهذا النظام ، وباتوا لا يغضبون كثيراً من انتقاداته التي يضعونها في خانة الحرص على النظام.

لقد حاول الشهرستاني إيجاد موطئ قدم له في حوزة قم من خلال إنجاز بعض المشاريع الصغيرة مثل طبع ونشر المصادر التي تحتاجها

٣٣٩

الحوزة العلميّة ، ثم المشاركة في تحقيق بعض الكتب ، هذان الأمران أخذا به إلى تأسيس مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، باعتماد منهج واُسلوب العمل الجماعي في تحقيق الكتب والمصادر.

ورغم الصعوبات والمشاقّ التي تحمّلها ـ ولاسيّما الاقتصاديّة والسياسيّة منها ـ لكنّه نجح نجاحاً كبيراً في هذا المضمار ، واستطاع الانتقال إلى مرحلة أكسبته موقعاً مناسباً واحتراماً جيّداً بين الأوساط العلميّة والثقافيّة ، من خلال شبكة العلاقات الواسعة التي اشتغل عليها كثيراً عبر أنواع الأدوات والآليات المتاحة ، المقرونة بنجاح مؤسّسته التحقيقيّة عبر رفد الأوساط المختصّة بنتاجات ذات كيفيّة نالت إعجاب وتقدير أهل الخبرة والاطّلاع.

لقد ضحّى الشهرستاني بمستقبله العلمي ـ بتوقّفه عن حضور الدروس العالية والاكتفاء بما بلغه من حضور لبضع سنوات في دروس بحوث الخارج فقهاً واُصولاً ـ لصالح المسؤوليّات الإداريّة والتنفيذيّة ; اعتقاداً منه بأنجعيّة آليّتها في خدمة الدين والطائفة وبلوغ الأهداف والطموحات المرجوّة ، ولقد تأ لّق بهما تأ لّقاً منحه الشهرة وفتح له الآفاق نحو وظائف أكبر ومهامّ أخطر.

جاءت مرجعيّة السيّد السيستاني لتضع النقاط على الحروف وتصنع الفرصة الذهبيّة كي يفرغ الشهرستاني ما في جعبته من مهارات وإمكانيّات كامنة ويضعها في طبق الوفاء والإخلاص لعمّه ـ والد حرمه ـ

٣٤٠