بحوث في مباني علم الرجال

محمّد صالح التبريزي

بحوث في مباني علم الرجال

المؤلف:

محمّد صالح التبريزي


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: سرور
الطبعة: ١
ISBN: 964-6642-97-7
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة غير مصححة

بلحاظ المضمون وهذا من التقسيم الثالث كما لا يخفى.

ونظير ما ذكره النجاشي في سالم بن أبي سلمة الكندي : «حديثه ليس بالنقي ، وإن كُنّا لا نعرف منه إلّا خيراً» (١) ؛ فإنّه يريد بذلك وثاقة الراوي في نفسه واعتبار خبره بلحاظ التقسيم الأوّل والتوقّف فيه بلحاظ التقسيم الثالث.

التقسيم الرابع

وهو ما كان بلحاظ الصفات الطارئة على الخبر ، من الشهرة العملية وقبول الأصحاب واعتمادهم عليه ، أو إعراضهم عنه أو هجرهم له ؛ كما في قول النجاشي في ترجمة أحمد بن محمّد بن جعفر عند قوله : «وكان ثقة في حديثه ، مسكوناً إلى روايته» (٢) ؛ فإنّه لم يكتف بوثاقة الراوي ، وهو اعتبار خبره بلحاظ التقسيم الأوّل ، بل نبّه على اعتباره بلحاظ هذا التقسيم.

وقول النجاشي في عبد الله بن الصلت أبو طالب القمي : «ثقة ، مسكون إلى روايته» (٣).

وقول الشيخ في ترجمة عبيد الله بن علي الحلبي : «له كتاب مصنّف معمول عليه ، وقيل إنّه عرض على الصادق عليه‌السلام فلمّا رآه استحسنه وقال : ليس لهؤلاء ـ يعني المخالفين ـ مثله» (٤) ، فإنّه يريد بروايته ـ بالإضافة إلى كونه إمامياً ثقة ـ موصوف بالشهرة العلمية وهي من الصفات الطارئة على الحديث.

__________________

(١). رجال النجاشي ١٩٠ / ٥٠٩.

(٢). رجال النجاشي ٨٤ / ٢٠٢.

(٣) رجال النجاشي ٢١٧ / ٥٦٤.

(٤) الفهرست ٣٠٥ / المفردة ٤٦٧.

٨١

وقول النجاشي في ترجمة علي بن جعفر بن محمّد : «له كتاب في الحلال والحرام ، يروي تارة غير مبوّب وتارة مبوّباً» (١). فهذا تنبيه على إختلاف النسخ وهو من الصفات الطارئة على الحديث.

والحاصل : إنّه يظهر من كلمات المتقدّمين من الرجاليّين في كتبهم وفهارسهم وكذا من المحدّثين إنّهم كانوا يُميّزون في تقسيمات الحديث واعتباره بين الصفات التي تكون للحديث بلحاظ الراوي من جهة أمانة نقله أو التي للراوي بلحاظ خبرويّة نقله أو التي تكون لمضمون الحديث المروي في نفسه أو التي تكون للحديث باعتبار الطروّ أي ممّا يعرض عليه من حالات مختلفة ولم يكن ذلك منهم إلّا لإختلاف درجات الاعتبار والحجّية ، وكذا الضعف بلحاظها كما أنّه يختلف الحديث في كيفية وصوله إلى درجة الوثوق والصدور بلحاظ تلك التقسيمات ودرجاتها ، حيث توضح هذه التقسيمات إنّه لم يكن مدار الحجّية عندهم صرف وثاقة الراوي ، بل على الوثوق بالصدور من الزوايا الأربع ، ومن ثمّ تراهم يطرحون خبر الثقة إن اختلّت الجهات الاخرى ويعملون بخبر الراوي الضعيف إذا تمّت الجهات الاخرى مع انضمام قرائن تجبر النقص في الجهة الأولى.

وبما تقدّم يتجلّى أنّ التقسيمات الأربعة بأقسام عديدة كثيرة من علماء الدراية في الأعصار المتأخّرة لم يكن إلّا مواضعة اسم جديد لكلّ قسم ، لا أنّها استحداث لواقع مسمّى المصطلح ، أو لتمييز لم يكن حاصلاً عند قدماء المحدّثين والرجاليين.

__________________

(١) رجال النجاشي ٢٥٢ / ٦٦٢.

٨٢

بل إنّ توهّم كون هذه الأقسام مخترعة من علماء الدراية المتأخّرين ممتنع في نفسه ، إذ كيف يستحدثون ما لا وجود له ، إذ المفروض أنّ التمييز بين أقسام الرواة والروايات هو بلحاظ الأحوال والصفات ، وهي إنّما وصلت إليهم من المتقدّمين فلا بدّ من فرض تمييز المتقدّمين أوّلاً ثمّ مواضعة المتقدّمين لأسماء تلك الأقسام المتميّزة ، وبعبارة أخرى إنّ المتأخّر يُصنّف الأقسام بلحاظ ما ذكره المتقدّم من صفات وأحوال الرواة ومرويّاتهم.

وحرص المتقدّم على ذكر الصفات والأحوال المتقدّمة دالّ على دخالتها عندهم في درجة حجّية الرواية.

كما أنّه يظهر ممّا تقدّم أنّ الاقتصار في البحث الاستدلالي بالروايات لا يكتفى فيه بقصر النظر على الأقسام الأربعة في التقسيم الأوّل ، بل لا بدّ من ملاحظة تمام أقسام التقسيم الأوّل ، كما لا بدّ من ملاحظة التقسيمات الأخرى وأقسامها بعد كون حجّية واعتبار الخبر لا تتمّ إلّا بعد تأمين الجهات الأربعة ، أي أمانة الراوي في اللهجة ، وخبرويّته في النقل ، وسلامة مضمون حديثه وصحّته ، ونقاءه عن صفات الوهن الطارئة ولذلك نرى مراعاة هذه الجهات الأربع في التقسيمات الأربعة في الروايات العلاجيّة لتعارض الأخبار ، كمقبولة أو صحيحة عمر بن حنظلة ومرسلة زرارة وغيرها من الروايات العلاجية ، حيث لوحظ فيها المفاضلة بين الحديثين المتعارضين ، تارة بلحاظ صفات الراوي من جهة أمانته وأخرى خبرويّته أو صفات الحديث بلحاظ مضمونه أو ما يطرأ عليه.

وبالجملة عدم مراعاة تلك الجهات والأقسام يُسبب ضياع كثير من الأحاديث وعدم ابتناء العمل بالحديث على الأصول الفنّية للاعتبار.

ثمّ إنّ هذه الغفلة عن هذه التقسيمات العديدة لدى القدماء سبّب الوقوع

٨٣

في غفلة أخرى ذات أثر كبير ، وهي إنّ المتأخّرين قد حملوا الطعون والذموم في المفردات الرجاليّة في أقوال الرجاليين على الجهة الأولى فقط وهي الخدشة في صدق لهجة الراوي وأمانته في نقله ، والحال أنّ الكثير منها في صدد الخدشة في الجهات الثلاث الأخيرة من خبرويّته أو مضمون الحديث أو هجر الأصحاب لروايته ، ومن المعلوم أنّ أحكام الجهات الأربع مختلفة من ناحية شرائط الحجّية ، وعليه فليست النتيجة واحدة وهي السقوط عن الحجّية من رأس ، فمثلاً لفظ الضعيف ـ كما سيأتي ـ ليس في غالب استعمال الرجاليين يُراد منها الخدشة في وثاقة الراوي في نقله ، بل يُراد منه القدح في ضبطه وخبرويته في الحديث ، أو ضعف مضامين حديثه.

كما إنّه لا بدّ لمن يريد مراعاتها الإحاطة خُبراً والاضطلاع بكيفيّة ترجمة الراوي في كتب الرجال ، وترجمة الكتاب الذي استخرجت منه الرواية في كتب الفهرس ، بالإضافة إلى ما يحفّ الخبر من ملابسات ؛ وسنرى مدى تأثير وفوائد هذه المقدّمة في أنحاء التوثيق والاعتبار في الخبر.

٨٤

الوجه في حجّية الظنون الرجاليّة

وقد اختلفت المباني والأنظار في تخريج حجيّة أقوال الرجاليين في الظنون الحاصلة بأحوال المفردات الرجاليّة على مسالك متعددة :

المسلك الأوّل : مسلك الاطمئنان في التوثيقات الرجاليّة

وبيانه يتمّ عبر نقاط :

الأولى : إنّ الحجّية في صدور الخبر بعد ابتنائها على الزوايا الأربع يظهر جلياً عدم صحّة جعل المدار على صرف وثاقة الراوي ، بل لا بدّ من خبرويّته وضبطه وإتقانه أيضاً ، كما لا بدّ من قرب مضمونه لقواعد المذهب وللروايات المستفيضة الأخرى ، كما لا بدّ من عدم طروّ صفات الوهن الأخرى من قبيل إختلاف النُّسخ أو الهجر من قبل الأصحاب بحيث يؤدّي إلى ضعف الوثوق بتداول نقله إلى الطبقات المتأخّرة حيث إنّنا نتلقّى الحديث والكتاب المدوّن فيه من قبلهم يداً بيد وعليه لا بدّ أن تكون قناة التلقّي تامّة.

وعلى ذلك فلا يكفي إحراز صرف وثاقة الراوي ، كما لا يمنع عن العمل بالحديث صرف ضعف الراوي ، بل الوثوق بالصدور النابع من الجهات الأربع يتأثّر بعوامل عديدة كما سبق بسطه.

الثانية : ويترتّب على ذلك أنّ قيمة طرق التوثيق لا تنحصر بكون ذلك الطريق لتوثيق الراوي حجّة مستقلّة ، كأن تكون هناك بيّنة على وثاقة الراوي أو شهادة

٨٥

العدل الواحد بناءً على اعتبارها أو دلالة القرينة المعيّنة بنفسها مستقلّاً على الوثاقة ، بل اللازم هو حصول الاطمئنان والوثوق بالصدور وبوثاقة الراوي بعد تظافر وتعاضد القرائن وتراكمها بنحو تزداد درجة الاحتمال إلى درجة الاطمئنان والوثوق ، فيكفي في قرينة التوثيق كونها مولِّدة للظنّ ولو الضعيف غير المعتبر ، غاية الأمر إنّه لا بدّ من انضمام قرائن أخرى تصاعد من الاحتمال والظن إلى درجة الوثوق.

ويشهد بذلك ما في موثقة ابن أبي يعفور الواردة في تعريف العدالة وعلامات استظهارها وإحرازها ، حيث ذكر فيها تجنّب الشخص عن الغيبة وإتيانه لصلاة الجماعة وغيرها من السلوك الظاهرة ، والتي لا توجب الوثوق بالعدالة بكلّ منها مفردة ، بل بمجموعها.

الثالثة : ومن ثمّ لا يقتصر في تجميع القرائن على الأصول الرجاليّة الخمسة القديمة ، بل يستفاد في تجميع القرائن على الكتب الرجاليّة المتأخّرة إلى يومنا هذا ؛ لأنّ المدار على العثور على القرينة وان كانت القرائن تختلف قوّة وضعفاً لا على قول الرجالي بما هو هو ، ولا يخفى أنّ هذا المبنى هو ما يُسمّى بتحصيل الاطمئنان والوثوق بوثاقة الراوي أو اعتبار خبره أو ما يُسمّى بمسلك تجميع القرائن أو ما يُسمّى حديثاً بنظريّة حساب الاحتمال الرياضي ـ المدلّل عليها بقاعدة رياضيّة برهانيّة ـ هو مسلك مشهور الرجاليين وروّاد هذا الفن ، وهذا المسلك كما يستخدم لإحراز صغرى خبر الثقة وللوثوق بوثاقة الراوي في البحث الرجالي ، كذلك يستخدم للوثوق بالصدور واعتبار نفس الخبر ونقله كما بيّناه مبسوطاً في ذيل دعوى الأخباريّين بصحّة روايات الكتب الأربعة فراجع.

الرابعة : إنّه لا انسداد في علم الرجال ، بل انفتاح العلم الوجداني من دون

٨٦

حاجة إلى العلم التعبّدي والحجّية المستقلّة لبعض طرق التوثيق ، حيث إنّ القرائن على حال الراوي من جهة أمانته أو خبرويّته أو سلامة مضمون نقله أو ما يطرأ روايته من الأحوال كلّها يمكن الاستحصال عليها بالتتبّع الوافر والممارسة والإدمان.

الخامسة : يترتّب على ذلك سعة منابع علم الرجال وعدم حصرها بالكتب الرجاليّة والفهارس فضلاً عن الأصول الخمسة الرجاليّة القديمة ، كما أشار إلى ذلك المجلسي الأوّل في شرحه الفارسي على الفقيه في الفوائد التي قدّمها للشرح ، والسيّد البروجردي في منهجه الخاصّ المعروف بعلم الطبقات (١) وسيأتي بسطه.

وملخصه : إنّه عبارة عن الفحص في الأسانيد الواصلة للروايات كمادّة علمية حية وجدانية للتعرّف على الطبقات السابقة للمفردة الرجاليّة الكائنة لها بمنزلة المشايخ ، والطبقة اللاحقة لها الكائنة بمنزلة التلاميذ في الرواية ، فمن خلال إحصاء كلّ الأسانيد التي وقعت فيها المفردة يتمّ تركيز الضوء على البيئة العلمية المحيطة بالراوي وانتمائه في المذهب والمسلك العلمي ، كما يحصل التنبّه إلى الحقل الروائي الذي يزاوله الراوي من خلال مضامين رواياته كما يحصل التعرف على ضبطه وإتقانه في النقل من خلال صورة السند التي يرويها بنفسه وكذا المتن إلى غير ذلك من الفوائد العديدة الجمة ، فمن ثمّ قلنا في النقطة السابقة أنّ العلم الوجداني في باب الرجال منفتح فضلاً عن التعبدي ، ولا انسداد في البين ، غاية الأمر يتوقّف على التتبّع والفحص المستمر نظير الحال في علم التاريخ ، فإنّه أقرب

__________________

(١) قد تقدمه في ذلك الاردبيلي في (جامع الرواة) حيث اختصّ كتابه بذلك ، حيث ان الكتب الرجاليّة كلّ منها يختصّ بمنهج من التنقيح في تنقيح المفردات وسيأتي بسط هذه النكتة في الفوائد.

٨٧

وأشبه العلوم بعلم الرجال وعلى صلة وثيقة به.

السادسة : وهي هامّة في الغاية إنّ القاعدة في اعتبار الجرح أو التعديل أو عند تعارض الجرح والتعديل ليس على القبول التعبدي بلفظ التعديل والتوثيق أو لفظ الجرح والتضعيف ، إذ الفرض أنّ المدار في الحجّية على هذا المبنى والمسلك الشهير بين الرجاليين ليس على الحجّية التعبّدية في التوثيق والتضعيف من الشهادة والبيّنة وغير ذلك بل على حصول الاطمئنان والعلم العادي والوجداني.

وعلى ذلك فلا يُتلقّى توثيق النجاشي مثلاً أو تضعيفه كحجّة تعبديّة ومسلّمة من المسلّمات ، بل اللازم ملاحظة القرائن الأخرى التي قد يكون قد استند النجاشي في تضعيفه عليها إذ قد لا تكون هي منشأ للضعف بقول مطلق أو تكون منشأً للضعف من جهة غير الجهة التي بنى عليها ، فكم من تضعيف بنى عليه القمّيون أو البغداديون لم يعتدّ به المتأخّرون كما هو معروف في درجة الغلوّ والتفويض ونحوها من المسائل الاعتقاديّة ، وكالإدمان لروايات المعارف ، بل إنّهم قد يجعلون الراوي كذّاباً في أمانة نقله لكونه كثيراً ما يروي طائفة خاصّة من المعارف كما وقع حتّى لمثل الفضل بن شاذان ، حيث حكم وقال كما نُسب إليه : «الكذّابون المشهورون ، أبو الخطّاب ، ويونس بن ظبيان ، ويزيد الصائغ ، ومحمّد بن سنان وأبو سمينة أشهرهم» (١) ، وكما وقع للقميين والبصريين مع يونس بن عبد الرحمن ، وهكذا الحال في التوثيق.

وهذا باب واسع تنفتح منه فوائد عديدة ، وأشبه ما يكون مقامنا على المسلك المزبور بالبحث التاريخي حول مفردة تاريخية ، فإنّ الباحث التاريخي يريد أن

__________________

(١). رجال الكشّي ٥٩٠ / ١٠٣٣ ، في أبي سمينة محمّد بن علي الصيرفي.

٨٨

يقيم الدراسة حولها حتّى يجد شواهد حيّة لوجهة النظر تلك ، فتراه يلاحق الشواهد والظروف المحيطة والملابسات المختلفة يتحرّى بذلك الإمعان في طروّ الحالات لتلك الشخصية وفتراتها حتّى يصل إلى الحقيقة حول تلك الشخصية.

ومثال ذلك ما وقع من النجاشي في العديد من التراجم من التضعيف لجملة من شيوخ الإجازة والرواية ، بسبب أنّ مشايخه البغداديين هجروا روايته أو نالوه بألسنتهم.

ومن ذلك يتبيّن عدم صحّة تقديم الجرح على التعديل عند التعارض بقول مطلق ولا العكس كذلك ، وإنّما اللازم الموازنة بين مدركيهما.

السابعة : إنّ كثيراً من قواعد التوثيق العامّة التي اختلف فيها اختلافاً كثيراً في مؤدّاها كقاعدة أصحاب الإجماع «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه» أو كما ذكر في الثلاثة «إنّهم لا يروون ولا يرسلون إلّا عن ثقة» أو إنّ مراسيل ابن أبي عمير حجّة وغيرها يتمّ الاعتداد بها لا كشهادات حسّية وإنّما كقرائن تتظافر مع بعضها البعض ولو بُني على حدسيتها.

هذا كلّه على المسلك الأوّل في ميزان حجّية التوثيقات الرجاليّة وهو مسلك الاطمئنان عبر تجميع القرائن وقد عرفت إنّه هو المسك الشهير بين الرجاليين

المسلك الثاني : الحجّية من باب قول أهل الخبرة

وهذا يعتمد على حجّية كبرى قول أهل الخبرة ، المبحوث عنها في قسم الحجج من علم الأصول ، وموضوعها الرأي المستحصل من المتضلّع بعلم وفنّ معيّن اختصّ فيه بحيث تكون آراؤه المستنتجة مبنيّة على الحدس المتولّد من ملكته العلميّة وحيطته بأبواب ذلك العلم يعسر على غيره الوصول إلى تلك النتائج لعدم الحيطة

٨٩

والاضطلاع بمسائل وقواعد ذلك العلم.

وقد ذكر هاهنا إنّ الدليل على الحجّية في تلك الكبرى هو السيرة العقلائية من رجوع الجاهل إلى العالم أو الانسداد الصغير (١).

وبالجملة : هذه الكبرى لا غبار عليها كما لا غبار في انطباقها على قول الرجالي ، سواء كان قوله حسّياً أو حدسياً ، حيث إنّ المنشأ الحسّي غير المصرّح به كسلسلة سند التوثيق أو التضعيف يعود كالمنشإ الحدسي الخفي بعد عدم التصريح به.

وأمّا دعوى جماعة من المتأخّرين أنّ التوثيقات في الأصول الرجاليّة الخمسة هي شهادات حسّية فسيأتي عدم تماميّتها.

ثمّ إنّه لا بدّ من الالتفات إلى أنّ شرط حجّية قول أهل الخبرة هو عدم كون المستند والمتمسّك من يحتجّ بقول أهل الخبرة يشترط فيه أن لا يكون من أهل الخبرة أو أن لا يكون في مكنته تنقيح المورد الذي حصلت فيه المراجعة لقول أهل الخبرة وإلّا فلو كانت له القدرة العلمية وكانت المواد الرجاليّة في متناول يده فلا يكون رجوعه إلى أهل الخبرة صحيحاً ولا معذِّراً ، كما لا بدّ من الرجوع إلى الأكثر خبرةً والأعلم ؛ ففي قول الرجاليين مثلاً يقدّم قول المتقدّم على المتأخّر لكونه أكثر حيطة لقربه لعصر الرواة ، نعم قد يكون المتأخّر أكثر خبرويّةً لحيطته بقرائن مستجمعة خفيت على المتقدّم كما هو الشأن في الفحص والتتبّع للأبواب الروائية ببركة التبويب والمعاجم الموضوعة.

__________________

(١) وهو حصول انسداد العلم والعلميّ في باب من الأبواب ، أو موضوع من الموضوعات مع حصول العلم الإجمالي المنجّز للحكم أو الأحكام الشرعية فيه.

٩٠

ويتبيّن من ذلك عموم حجّية قول الرجالي على هذا المسلك شريطة توفّر النقطتين السابقتين.

وقد يستشكل على هذا المسلك بما حاصله : إنّ رجوع المجتهد إلى أهل الخبرة في الرجال نحو تقليد لهم ، ويلزم منه أن تكون النتيجة المستنبطة منه مبنيّة على بعض المقدّمات التقليدية ، فلا يكون اجتهاداً محضاً.

وفيه : إنّه لا مانع من ذلك ، كما في العديد من مقدّمات الاستنباط البعيدة التي يُستعان بها في الاستنباط ، كالقواعد الأدبيّة ، أو المنطقيّة ، أو التفسيريّة وغيرها ، حيث إنّ اللازم في صدق الاستنباط عن اجتهاد هو كون المقدّمات الاصوليّة والفقهيّة هي عن تحقيق وعن ملكة علميّة دون ما سواها ، وبذلك يصدق عليه أنّه ممّن روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، ويصدق عليه عنوان الفقيه

المسلك الثالث : حجيّة مطلق الظنون الرجاليّة بالانسداد الصغير

قد قدّمنا أنّ هذا الوجه قد يجعل للتدليل على الوجه السابق ، كما قد يُجعل للتدليل على حجّية مطلق الظنون الرجاليّة مع مراعاة الظن الراجح دون المرجوح والمانع دون الممنوع ، ممّا هو مذكور مسطور في بحث الانسداد من علم الأصول في كون نتيجة الانسداد هو حجّية الظنّ ذي الشرائط المعيّنة فإن لم يكتف به يُتنزّل إلى الفاقد للشرائط ، هذا من حيث النتيجة.

أمّا من حيث تحقّق مقدّمات الانسداد الصغير فقد يقرّب بوجهين :

الأوّل : هو دعوى وقوع الانسداد الكبير في مطلق أحكام الفروع ، ومن ثمّ يعمّ الظن الذي هو نتيجة دليل الانسداد الكبير للظن بالطريق لا خصوص الظن

٩١

بالواقع ، والظنون الرجاليّة هي أحد أفراد الظنّ بالطريق.

كما قد يقرّب وقوع الانسداد الكبير بما قدّمناه من دعوى العلم الإجمالي بوقوع الوضع والدسّ في الأسانيد في ذيل الجواب الرابع عن دعوى الأخباريّين لصحّة الكتب الأربعة ، فالانسداد الكبير حاصل إمّا بمنع كبرى حجّية الظنون الخاصّة ، أو لمنع الصغرى وجوداً أو إحرازاً.

هذا والصحيح عدم تماميّة الوجه الأوّل بكلا صياغتيه ، إذ بعد توفّر الظنون الخاصّة المعتبرة الوافية بكلّ أبواب الفروع ، فلا مورد لتحقّق مقدّمات الانسداد الكبير ، كما إنّك قد عرفت أنّ العلم الإجمالي بالوضع والدسّ في الأسانيد قد انحلّ تكويناً بالعلم التفصيلي والإجمالي بالتنقية والتصفية للأحاديث والغربلة للروايات بما ذكرناه من نماذج على مثل ذلك.

الوجه الثاني : دعوى الانسداد الصغير في خصوص علم الرجال ، ببيان أنّ لدينا علم إجمالي بوجود أخبار الثقات الصحاح المعتبرة المتضمّنة لأغلب أحكام الفروع ، ولا علم وجداني ولا تعبّدي بصغريات تلك الأخبار ، بمعنى عدم تحقّق العلم الوجداني بوثاقة رواة الأسانيد ممّن هم في دائرة العلم الإجمالي المتقدّم ، كما أنّ وثاقة رواة لا يوجد لنا علم تعبّدي بها من البيّنة أو الشهادة أو الأخبار الحسّي المعتبر ، إذ لا تذكر سلسلة سند التوثيق في الأصول الرجاليّة القديمة عدا الكشّي في غالب موارده ، وحينئذ فلا يمكن لنا إحراز صغرى ومصاديق تلك الكبرى ، وهي العلم الإجمالي بوجود أخبار الثقات المتضمّنة لأحكام الفروع.

وهذا الوجه إنّما يتمّ لو لم يتمّ المسلكين الأوّلين ، ليتحقّق انسداد العلم الوجداني والعلم التعبّدي فتصل النوبة إليه لكنّك قد عرفت تماميّة المسلكين.

وقد يُستشكل على هذا المسلك بأنّ ما يستخرجه المجتهد من نتائج حينئذ

٩٢

ليست عن علم فلا يسوغ رجوع الآخرين إليه ؛ لأنّه من رجوع الجاهل إلى الجاهل ، وهذا الإشكال قد ذكر في مبحث الانسداد في علم الأصول ، كالإشكال على تقليد الانسدادي ، وحاصله أنّ المقلِّد لم ينسدّ عليه الطريق بعد وجود المجتهدين الآخرين القائلين بالانفتاح.

وقد أجيب بعدّة أجوبة :

منها إنّ المجتهد الانسدادي عالم بالوظيفة عند الانسداد والحكم الظاهري وإن لم يكن عالماً بالحكم الواقعي.

ومنها : بأنّ الانسدادي يُخطّئ الانفتاحي.

ومنها : بأنّ الانسدادي بعد ترتيب مقدّمات الانسداد لا سيّما على الكشف يعلم بالأحكام الواقعيّة أو بالطريق المؤدّي إلى الفراغ منها

المسلك الرابع : كون التوثيق من باب الشهادة والإخبار الحسّي

وقد صيغ بعدّة صياغات :

منها : كونه من باب البيّنة ، كما ذهب إليه صاحب المدارك والمعالم ، ولعلّه تبعاً لأستاذهما المحقّق الأردبيلي.

ومنها : كونه من خبر الثقة بناءً على حجيّته في الموضوعات ، أو لدعوى إنّه في المقام وإن قام على موضوع جزئي إلّا أنّ ثمرته إثبات الحكم الكلي فهو من قبيل خبر الثقة القائم على الحكم الكلّي ، أو كما قرّبه في المستمسك في الاجتهاد والتقليد من أنّ الإخبار عن المعصوم في الحكم الكلي يؤول إلى الإخبار عن الموضوع الجزئي الخارجي ، حيث إنّه إخبار عن واقعة خاصّة بصدور قول المعصوم.

٩٣

ومنها كونه من الخبر المتواتر أو المستفيض ، وذهب إليه من متأخّري هذه الأعصار السيّد الخوئي قدس‌سره وقرّب ذلك بكون توثيقات الأعلام المتقدّمين من الرجاليّين ، كالبرقي وابن قولويه والكشّي والصدوق والمفيد والنجاشي والشيخ وأضرابهم ، هي نقل كابر عن كابر وثقة عن ثقة ، لكون كتب الفهارس والتراجم لتمييز الصحيح من السقيم أمراً متعارفاً عندهم ولقد وصلتنا جملة من ذلك ولم تصلنا جملة أخرى وإنّ الكتب الرجاليّة من زمان الحسن بن محبوب إلى زمان الشيخ كانت تبلغ نيّفاً ومائة كتاب ، على ما يظهر من النجاشي والشيخ وغيرهما ، وقد جمعها البحّاثة الشيخ آغا بزرك في مصفّى المقال ، واستشهد أيضاً بما ذكره الشيخ في العُدّة في فصل خبر الواحد من أنّ للطائفة كتباً وفهارس ميّزت الرجال الناقلة بين ثقة وضعيف ومعتمد وغير معتمد عليه ؛ وكذا استشهد ببعض عبائر النجاشي عند ما يقول : «ذكره أصحاب الرجال».

فكلّ ذلك يشهد بأنّ أقوالهم في الرجال هي عن حسّ مستفيض أو متواتر ، خلافاً لما يحتمله الشيخ فخر الدين الطريحي في مشتركاته من أنّ توثيقات النجاشي أو الشيخ يحتمل أنّها مبنيّة على الحدس فلا يعتمد عليها.

أقول : يرد على عموم المسلك الرابع بصياغاته أو خصوص دعوى التواتر منه :

أوّلاً : إنّ دعوى التواتر والاستفاضة في روايات الكتب الأربعة أولى منها في الكتب الرجاليّة ، إذ كتب الروايات تزيد مآخذها أضعافاً مضاعفة على مآخذ الاصول الرجاليّة القديمة ، فإذا كانت كتب الفهارس والرجال تزيد على المائة ونيّف من فترة الحسن بن محبوب إلى زمان الشيخ ، فكتب الروايات الأصول منها فقط يربو على الأربعمائة فضلاً عن الكتب والمجاميع التي الّفت بعدها ، وقد تقدّم مبسوطاً أنّ دعوى اعتبار مطلق الطرق فيها غير تامّة ، فكيف بك في مآخذ

٩٤

الأصول الرجاليّة.

نعم قد بيّنا الفرق بصياغة فنّية رجالية درائية بين الطرق إلى كتب المشيخة والطرق التي في كتب المشيخة إلى المعصوم ، والفارق المزبور هو بعينه يوجد بين طرق الكتب الرجاليّة والمشيخة وبين مراسيل التوثيقات أو التضعيفات في الأصول الرجاليّة.

على أنّ غاية دعوى كثرة مآخذ الكتب الرجاليّة هو عدم النظر في طرق الأصول الرجاليّة الخمسة أو الستّة إلى الكتب الرجاليّة التي قبلها ، لا الطرق التي في الثانية المتقدّمة إلى المعاصر للمفردة الرجاليّة المترجمة.

ثانياً : إنّ كتاب الكشّي وهو متقدّم على فهرست النجاشي وفهرست ورجال الشيخ بطبقتين وهو المشتمل في توثيقاته وتضعيفاته في العديد من الموارد على سلسلة السند ، فإنّه يقيّم جرحه وتعديله بحسب اعتبار تلك السلسلة ، فتارة تكون ضعيفة وتارة تكون معتبرة كما هو دأب الجميع على ذلك حتّى القائلين بالمسلك الرابع ، والمعروف أنّ كتاب التحرير الطاووسي من صاحب المعالم هو تشذيب وتهذيب لرجال السيّد أحمد بن طاوس الموضوع لتقييم طرق التوثيق أو التضعيف في رجال الكشّي ، فإذا كان الحال ذلك في كتاب الكشّي وهو الأقرب عصراً لطبقات الرجال وكتب الفهارس ، فكيف بك لمن تأخّر عنه بطبقتين ؛ فإنّ ما صنعه الكشّي من ذكر تلك الطرق دليل بيّن على عدم استفاضة وتواتر التوثيقات كلّها ، بل هي في الأغلب منها طرق آحاد.

ثالثاً : إنّ هناك العديد من الموارد التي وقع فيها التعارض في التوثيقات أو التضعيفات بين الشيخ والنجاشي وبين كلّ منهما والكشّي ، ولو كانت إخباراتهم حسّية من نمط التواتر والاستفاضة لما وقع مثل ذلك بهذه الكثرة ومن ثمّ لم يلتزم

٩٥

القائل نفسه في عدّة من المفردات الرجاليّة على رأي النجاشي أو الشيخ بعد عثوره على قرائن مخالفة أخرى.

رابعاً : إنّ عبارات الأصول الرجاليّة الخمسة أو الستّة هي بنفسها مختلفة ، وهي تدلّ على أنّ طرقهم في التوثيق والتضعيف مختلفة فبعضها بالشهرة والتواتر ، والأخرى آحاديّة.

فترى التعبير تارة : قال مشايخنا ، وأخرى : ضعّفه القميون ، أو : وجه في الطائفة ، أو : في أصحابنا ، أو : كان له صيت ، أو : أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه ، أو : على وثاقته ، فهذا نمط ، ونمط آخر ترى يكتفي بالتعبير بثقة أو ضعيف ، أو : قيل إنّه كذا ، أو رُمي بكذا ، ونحوها من التعابير الصريحة في كون مآخذها آحادية.

وبالجملة : نستردف لك بعض الشواهد الدالّة عموماً على عدم صحّة الاستفاضة في طرق الجرح والتعديل :

منها ما ذكره صاحب قاموس الرجال (١) من أنّ الشيخ أكثر من الأخذ عن فهرست ابن النديم أوهاماً وأغلاطاً كثيرة في التراجم ولم ينبّه الشيخ على وهمه إلّا في الفضل بن شاذان ولذلك لم يستند إليه النجاشي إلّا في موضع واحد وهو بندار بن محمّد ، وكذا ما نبّه عليه من إختلاف نسخ الكشّي التي كانت مأخذاً للشيخ الطوسي ، وقد قال النجاشي عنه ـ رجال الكشّي ـ «له كتاب الرجال ، كثير العلم ، وفيه أغلاط كثيرة وروى عن الضعفاء كثيراً» (٢).

__________________

(١). قاموس الرجال ١ / ٥٢.

(٢) رجال النجاشي ٣٧٢ / المفردة ١٠١٨.

٩٦

وقد نبّه صاحب قاموس الرجال في الموضع المتقدّم على وقوع التصحيف والخلط في مجموعة من التراجم في الأصول الرجاليّة ، فراجع.

ومنها ما نبّه عليه في الفوائد الرجاليّة (١) من بناء مثل الصدوق والنجاشي وغيرهما على قواعد في التوثيق والتضعيف اجتهادية غير تامّة.

فتحصّل : إنّ البناء على الأخبار الحسّي في قول الرجاليين ليس بواجد لشرائط الحجّية للإرسال الموجود فيه ، وإنّ صغرى حجّية الخبر الحسّي غير متحقّقة غالباً.

__________________

(١). الفوائد الرجاليّة ١ / ٢٥ ـ ص ٥٨.

٩٧

المقام الثاني

حجّية أصالة العدالة وحسن الظاهر في التوثيق

فقد وقع الخلاف في أنّ البناء على وثاقة واعتبار المفردة الرجاليّة ، هل بمجرّد كونه مسلماً أو إمامياً لم يثبت ولم يُحرز فسقه ، أو إنّه من اللازم إحراز عدم فسقه ، ولا يكفي في ذلك الإحراز إجراء أصالة العدم؟

فقد نسب متأخّري هذه الأعصار إلى المتقدّمين بناءهم على أصالة العدالة ، وفُسّرت بالاكتفاء فيها بمجرّد الإسلام أو الإيمان مع عدم إحراز الفسق ، للاكتفاء في الفسق بأصالة العدم وقد نُسب ذلك صريحاً إلى الشيخ الطوسي ، واحتمل كون ذلك مبنى الرواة والرجاليين المتقدّمين على الشيخ أيضاً كالصدوق ، كما نُسب ذلك صريحاً إلى العلّامة الحلّي ، ولتحرير المقام لا بدّ من ذكر جهات :

الجهة الأولى : في تنقيح فرض المسألة والضابطة

إذ كبرويّاً قد يُبنى على حجّية مطلق الخبر سوى خبر الفاسق ، فيكون الفسق حينئذ مانعاً ولا تكون الوثاقة أو العدالة شرطاً ، وأخرى يُبنى كبرويّاً على شرطيّة العدالة أو الوثاقة كصفة وجوديّة ، كما إنّه لا بدّ من الالتفات إلى إمكان وجود

٩٨

الواسطة بين العادل والفاسق أو الثقة والمتّهم أو عدمها ، كما لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الأمارات على الوثاقة والكواشف على العدالة ، هل يكتفى بها في إحراز العدالة والوثاقة أو لا بدّ من إحراز عدم الفسق ، أي عدم موجب الفسق؟

ولا يتوهّم أنّ هذا الترديد لا مجال له ؛ لأنّه مع فرض وجود العدالة أو الوثاقة فهو يلازم عدم الفسق المطلق أو عدم الفسق في اللهجة ، ومع وجود الأمارة على أحد الضدّين لا حاجة إلى وجود الأمارة على عدم وجود الضدّ الآخر ، إذ إنّ وجود أحد الضدّين وإن لازَمَ عدم الضدّ الآخر إلّا أنّ الكاشف عن أحد الضدّين ليس من الضروري اعتبار كاشفيّته ـ كمدلول التزامي ـ على عدم الضدّ الآخر.

وبعبارة أخرى : إنّ الكاشف عن أحد الضدّين قد يكون اقتضائياً ناقصاً لا بدّ من ضميمة إحراز عدم المانع ، فمواظبة الرجل مثلاً على صلاة الجماعة وعدم ايذاء المسلمين بجوارحه وحسن ظاهره ، كلّ ذلك مقتض لتواجد صفة العدالة أو الوثاقة ، فقد يقال مع ذلك بلابدّية إحراز عدم الموجب للفسق ، أي عدم صدور ما يخلّ بالوثاقة أو العدالة منه

الجهة الثانية : صحّة النسبة المتقدّمة

قال الشيخ الطريحي في جامع المقال : «الثانية : في الطريق الموصل إلى معرفتها ـ العدالة ـ ، فنقول : اكتفى بعض فقهاؤنا بثبوت العدالة بظاهر الإسلام من دون أن يُعلم منه الاتّصاف بملكتها ، وهو مذهب الشيخ في الخلاف ، ونقل عن ابن الجُنيد صريحاً والمفيد في كتاب الاشراف ظاهراً ، وزاد آخرون على ذلك أن يكون ظاهره ظاهراً مأموناً ، بأن يكون ساتراً لعيوبه ، راغباً إلى المساجد والجماعات ، إذا سُئل عنه أهل محلّته وقبيلته يقولون ما رأينا منه إلّا خيراً

٩٩

وهو مذهب الشيخ في النهاية وابن بابويه في الفقيه» (١).

كما نسب كثير متأخّري هذه الأعصار إلى الشيخ الطوسي والعلّامة الحلّي بنائهما على أصالة العدالة ، استناداً لما ذكره في الخلاصة في ترجمة (أحمد بن إسماعيل بن سمكة بن عبد الله) ولما ذكره في ترجمة (إبراهيم بن هاشم أبو اسحاق القمي) ، واستناداً إلى ما ذكره الشيخ الطوسي في كلّ من النهاية في باب العدالة والعدّة في فصل القرائن التي تدلّ على صحّة أخبار الآحاد ، ولما ذكره في الاستبصار أيضاً في كتاب الشهادات منه في باب العدالة المعتبرة في الشهادة.

وقال الشهيد الثاني في الدراية : «واختلفوا في العمل بالحسن ، فمنهم مَن عمل به مطلقاً كالصحيح ، وهو الشيخ قدس‌سره على ما يظهر من عمله ، وكلّ من اكتفى في العدالة بظاهر الإسلام ولم يشترط ظهورها ، ومنهم مَن ردّه مطلقاً وهم الأكثرون حيث اشترطوا في قبول الرواية الإيمان والعدالة ، كما قطع به العلّامة في كتبه الأصولية وغيره ، والعجب أنّ الشيخ قدس‌سره اشترط ذلك في كتب الأصول ووقع له في الحديث وكتب الفروع الغرائب ، فتارة يعمل بالخبر الضعيف مطلقاً ، حتّى إنّه يخصّص به أخباراً كثيرة صحيحة ، حيث تعارضه بإطلاقها ، وتارة يصرّح بردّ الحديث الضعيف لضعفه وأخرى بردّ الصحيح معلّلاً بأنّه خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً كما هي عبارة المرتضى قدس‌سره» (٢).

وقال في موضع آخر : «إنّ الشيخ عمل بالخبر الضعيف المعتضد بالشهرة الروائية أو الفتوائية لقوّة الظنّ بصدق الراوي وإن ضُعّف في نفسه كما يعلم

__________________

(١) جامع المقال / ٢٤.

(٢) الدراية / ٢٦.

١٠٠