الجمعة مثلاً لا تجتمع مع الإرادة التحريمية بالنسبة إليها (١).
أقول : قد انحرف البحث هنا أيضاً عن مجراه الواقعي الأصلي لأنّ إثبات الحجّية للقطع من الطرق المذكورة غير صحيح ، والنكتة الأصلية في المقام أنّ القطع حقيقته الوصول إلى الواقع ( ولا أقلّ أنّه كذلك في نظر القاطع ) والأحكام المترتّبة عليه ليست في الواقع من أحكام نفس القطع بل إنّها من أحكام الواقع والخارج المتعلّق للقطع.
وبعبارة اخرى : أنّ القاطع لا يرى قطعه ، وأنّ القطع ليس طريقاً ومرآة للوصول إلى الواقع بل القطع بنفسه مشاهدة للواقع ووصول إليه فهو حينئذٍ نظير النظر إلى الشمس ، حيث لا يقال حين النظر إليها : إنّي قطعت بالشمس ، بل القطع فيه هو نفس إنعكاس الشمس في الذهن ، فكذلك في ما نحن فيه ، فليست الآثار المترتّبة على القطع آثاراً لنفس تلك الحالة النفسانية بل هي آثار للواقع وتترتّب على الواقع ، ولذلك لا يقع القطع وسطاً لإثبات الحكم ولا يقال : « هذا مقطوع الخمريّة وكلّ مقطوع الخمريّة حرام فهذا حرام » بل يقال : « هذا خمر كلّ خمر حرام » نظير قولك : « هذه نار وكلّ نار حارّة » وأيضاً لا يقال في مقام الاحتجاج على العبد فيما إذا سمح بدخول الدار لعدوّ مولاه مثلاً مع قطعه بكونه عدوّاً له : « إنّك قطعت بأنّه عدوّ ولم تعمل بقطعك » بل يقال : « لِمَ سمحت بدخول العدوّ ولم تمنعه ».
فظهر إلى هنا إنّه لا حاجة إلى إثبات حجّية القطع إلى التمسّك بالوجدان أو التسلسل أو غيرهما بل القاطع يعمل بقطعه ويرتّب آثاره من باب وصوله إلى الواقع لا من باب حجّية القطع.
نعم هذا كلّه بالنسبة إلى شخص القاطع حين قطعه ، وأمّا بالنسبة لما بعد زوال القطع وكذلك بالنسبة إلى غير القاطع ( أي الذهن فوق الذهن ) فلما ذكر من النقض والإبرام في مقام الاستدلال لحجّية القطع شأن.
وحينئذٍ نقول : المقبول عندنا من بين الأدلّة التي اقيمت لحجّية القطع وجهان :
أحدهما : التسلسل ، والبيان الأصحّ والأدقّ فيه أن يقال : إنّ جميع الأدلّة الشرعيّة ترجع دليليتها وحجّيتها إلى القطع ، فلو كان مآل حجّية القطع أيضاً شيئاً غير ذاته يلزم الدور أو التسلسل كما لا يخفى.
__________________
(١) راجع تهذيب الأصول : ج ٢ ، ص ٨٥ ، طبع مهر.
![أنوار الأصول [ ج ٢ ] أنوار الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F938_anvarol-osol-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
