الدولة منتخب المُلْك شمس الْحَضْرة صفيُّ الملوك أبو علي محمد بن أرسلان ، أدام الله علوّه ، وكبَتَ حاسده وعدوّه ، فإنه الذي جَذَب بضَبْع الأدب من عَاثُوره ، وغالى بقيمة منظومه ومنثوره ، وأقبل عليه ، وعلى من يُرَفْرِفُ حواليه ، إقبالَ مَنْ ألقت خزائن الفضل إليه مقاليدها ، ووقفت مآثرُ المجد عليه أسانيدها ، فأبرز محاسن الآداب في أضْفَى ملابسها ، وبَوَّأها من الصُّدور أعلى منازلها ومجالسها ، بعد أن حَلَّقت بها العنقاء في بَنَاتِ طَمَار ، وتضاءلت كتضاؤل الحسناء في الأطْمَار ، فالحمدُ لله الذي جعل أيامه للحسن والإحسان صورة ، وعلى الفضل والإفضال مقصورة ، وجعلها موقوفَة الساعات ، على صنوف الطاعات ، محفوفَةَ الساحات ، بوفود السعادات ، موصوفة الحركات والسكنات ، بوفور البركات والحسنات ، حتى أصبحت حُلِيَّاً على لَبَّة الدولة الغراء ، وتاجا في قِمَّةِ الحضرة الشمَّاء ، وحِصْنا لملك الشرق حصينا ، ورُكْنا يؤوي إليه ركينا ، وأمست على معصمه ومعتصمه سورا وسِوَارا ، ولوَجْهِ دولته وحُسام سَطْوته غرةً وغِرارا ، يُسْتَمْطَر النُّجْحُ ببركات أيامه ، ويستودَعُ المللك حركات أقلامه ، فلله دره من عالم زرَّ بُرْدَاهُ على عالم ، وأمين بانتظام الملك ضمين ، ومُطَاع عند ذي الأمر مَكِين ، يزين بحضوره ديوان عماله ، ولا يشين بمحظوره ديوان أعماله ، فعل من تَنَبَّه له الجد ، فنظرت نفسه ما قدمت لغد ، وتمكَّن منه الجد ، فلا الدَّدُ منه ولا هو من دَد ، وعليه عينة من سيد جُمِعَ له إلى القُدْرة العصمة ، وإلى التواضع الرفعة والحِشْمة ، فرَفَلَ من السيادة في أغلى أثوابها ، وأتى بيوتَ المجدِ من أبوابها ، وباشَرَ أبكار المكارم فالتزمها واعْتَنَقها ، وباكر أقداح المحامد فاصطَحَبَها واغتَبَقَهَا ، فأصبح لا يَطْرَبُ إلا على معنى تكد له الأفهام ، دون مؤثر تأتي له الإيهام ، ولا يَعْشَق إلا بناتِ الخواطر والأفكار ، دون العذَارَى الخُرَّد الأبكار ، ولا يثافن إلا مَنْ أخلق جَدِيدَيْهِ ، حتى ملأ من الفضل بُرْدَيه ، وكَحَّلَ بإثمِدِ السهر جَفْنيه ، حتى أقرَّ بنيل القرب منه عينيه ، فتبوَّأ من حضرته المأنوسة جنة حُفَّتْ بالمكارم لا المكاره ، وروضةً خُصَّت بالمجد الزاهر لا بالأزاهر ، تنثال عليها أفراد الدهر من كل أوْب ، وتنصبُّ إليها آحاد العصر من كل صَوْب ، لا سَلَب الله أهل الأدب ظلَّه ، ولا بلغ هَدْىُ عمرِه مَحِلّه ، ما طَلَع نَجْم ، ونَجَم طَلْع ، بمنه وكرمه. هذا ، ولما تقدر ارتحالي عن سُدَّته ، عمرها الله بطول مُدَّته ، أشار بجَمْع كتاب في الأمثال ، مبرِّزٍ على ما لَه من الأمثال ، مشتمل على غَثِّها وسَمينها ، محتوٍ على جاهليها وإسلاميها ، فعُدت إلى وطني رَكْضَ المنزع شمره الغالي ، مشمراً عن ساق جِدِّي في امتثال أمره العالي ، فطالعت من كتب الأئمة الأعلام ، ما امتد في تقصِّيه نَفَسُ الأيام ، مثل كتاب أبي عُبَيدة وأبي عُبَيد ، والأصمعي وأبي زَيْد ، وأبي عَمْرو وأبي فَيْد ، ونظرتُ فيما جمعه المفضَّلُ بن محمد والمفضَّلُ بن سَلَمَةَ.
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
