إلى السماء ، بارتفاع فروعها في الهواء ، ثم قال تعالى (تؤتي أكُلَهَا كلَّ حينٍ) فشبه ما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل زمان ، بما ينال من ثمرتها كل حين وأوان ، وأمثالُ هذه الأمثال في التنزيل كثير ، وهذا الذي ذكَرْتُ عن طَويلها قصير ، وأما الكلام النبوي من هذا الفن فقد صنف العسكريُّ فيه كتابا براسه ، ولم يأل جَهْداً في تمهيد قواعده وأساسه ، وأنا أقتصر ههنا على حديث صحيح وقَعَ لنا عاليا ، وهو ما أخبرنا الشيخ أبو منصور بن أبي بكر الْجَوْزِي أنبأنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم ، أنبأنا أبو طاهر محمد بن الحسن ، أنبأنا أبو البحتري أنبأنا أبو أسامة ، أنبأنا يزيد بن أبي بُرْدَةَ عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : إنما مَثَلُ الجليسِ الصالِح وجليسِ السوء كحامل المِسْكِ ونافخُ الكِيرِ ، فحاملُ المسكِ إما أن يُحْذِيَكَ (أحذاه يحذيه : أعطاه) وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبا ، ونافخُ الكِيرِ إما أن يحرق ثيابك وإما أن تَجِدَ منه ريحا خبيثة رواه البخاري عن أبي كريب عن أبي أسامة ، فكأن شيخ شيخي سمعه من البخاري. وبعد ، فإن من المعلوم أن الأدب سُلَّم إلى معرفة العلوم ، به يُتَوَصَّل إلى الوقوف عليها ، ومنه يتوقَّع الوصولُ إليها ، غير أن له مَسَالكَ ومَدَارج ، ولتحصيله مَرَاقِيَ ومَعَارج ، من رَقِيَ فيها درَجاً بعد درج ، ولم تهمّ شمسُ تشميره بِعَرَج ، ظفِرَتْ يَدَاه بمفاتح أغلاقه ، وملكت كفاه نفائس أعْلاَقه ، ومن أخطأ مِرْقَاةً من مَرَاقيه ، بقي في كد الكَدْحِ غيرَ مُلاَقيه ، وإنَّ أعلى تلك المراقي وأقصاها ، وأوْعَرَ هاتيك المسالك وأعصاها ، هذه الأمثالُ التي هي لُمَاظَاتُ حَرَشَةِ الضِّبَاب ، ونُفَاثات حَلَبة اللِّقَاح وحَمَلَة العِلاَب ، من كل مرتضعٍ دَرَّ الفصاحة يافعا ووليدا ، مرتكضٍ في حجر الذَّلاَقة توأما ووَحيدا ، قد ورد مَنَاهل الفطنة يَنْبوُعا فينبوعا ، ونزف مناقع الحكمة لَدُوداً ونَشُوعا ، فنطق بما يُسِرُّ المعبِّر عنها حبوا في ارتقاء (هكذا وقع في جميع المطبوعات ، وأراه محرفا عن حسوا في ارتغاء وهو مأخوذ من المثل يسر حسوا في ارتغاء وسيأتي في حرف الياء مشروحا) والمشير إليها يمشي في خَمَر ويدبُّ في ضَراء ، ولهذا السبب خفيَ أثرُها ، وظهر أقلُّها وبطن أكثرها ، ومن حَامَ حول حِمَاها ، ورام قَطْفَ جَنَاها ، علم أن دون الوصول إليها خَرْطَ القَتَاد ، وأن لا وقوف عليها إلا للكامل العَتَاد ، كالسَّلَف الماضِينَ الذين نظموا من شَمْلها ما تشتَّت ، وجمعوا من أمرها ما تفرَّق ، فلم يبقوا في قوس الإحسان مَنْزعا ، ولا في كِنانة الإتقان والإيقان أهْزَعا ، والناس اليوم كالمجمِعِين على تقاصُرِ رغباتهم ، وتقاعُدِ همَّاتهم ، عما جاوز حد الإيجاز ، وإن حرك في تلفيقه سلسلة الإعجاز ، إلا ما نشاهده من رغبةِ مَنْ عَمَرَ معالم العلم وأحياها ، وأوضَحَ مناهج الفضل وأبداها ، وهمةِ مَنْ تجمعت في فؤاده همم ملءُ فؤاد الزمان إحداها ، وهو الشيخ العميد الأجل السيد العالم ضياء
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
