إلى رقبة ، فلما أتته الرءوس صنَع طعاماً كثيراً ، ثم أتى المنذر فقال له : قد اصطنعت لك طعاماً فأنا أحب أن تَتَغَدّى ، فأتاه المنذر وأبو دُوَاد معه ، فبينا الجِفان تُرْفَع وتوضع إذ جاءت جَفْنة عليها أحد رؤس بني أبي دُوَاد ، فقال أبو داود : أبَيْتَ اللَّعْنَ إني جارُكَ وقد ترى ما صنع بي ، وكان رقبة جارا للمنذر ، قال فوقعَ المنذر منهما في سوأة ، وأمر برقبة فحبس ، وقال لأبي دُوَاد : ما يرضيك؟ قال : أن تبعث بكتيبتيك الشَّهْباء والدَّوْسَر إليهم ، فقال له المنذر : قد فعلْتُ ، فوجَّه إليهم الكتيبتين ، قال : فلما رأى ذلك رقبة مِنْ صُنْع المنذر قال لامرأته : الْحَقِي بقومك فأنذريهم ، فعمدت إلى بعض إبل البَهْرَاني فركبته ثم خرجت حتى أتت قومها فعرّفت ، ثم قالت : أنا النَّذِيرُ العُرْيَان ، فأرسلتها مثلا ، وعرف القومُ ما تريد ، فَصَعدوا إلى علياء الشام ، وأفبلت الكتيبتان فلم تصيبا منهم أحدا ، فقال المنذر لأبي دواد : قد رأيتَ ما كان منهم ، أفيُسْكِتك عني أن أعطيك بكل رأس مائتي بعير؟ قال : نعم ، فأعطاه ذلك ، وفيه يقول قيس بن زهير العبسي :
|
سأفْعَلُ مَا َبَدا لِيَ ثُمَّ آوِي |
|
إلى جارٍ كَجَارِ أبِي دُوَاد |
وقال غيره : إنما قالوا النذير العريان لأن الرجل إذا رأى الغارة قد فَجَأتْهم وأراد إنذار قومه تجرَّد من ثيابه وأشار بها ليعلم أنه قد فجأهم أمر ، ثم صار مثلاً لكل أمر تُخَاف مفاجأته ، ولكل أمر لا شبهة فيه.
إِيَّاكِ أعْنِي وَأسْمَعِي يَا جَارَهْ.
أول من قال ذلك سَهْل بن مالك الفَزَاري ، وذلك أنه خرج يريد النعمان ، فمر ببعض أحياء طيء ، فسأل عن سيد الحي ، فقيل له : حارثة بن لأم ، فأمَّ رَحْلَه فلم يُصِبْه شاهدا فقالت له أخته : انْزِلْ في الرَّحْب والسَّعَة ، فنزل فأكرمته ولاطفته ، ثم خرجت من خِبائها فرأى أجْمَلَ أهل دهرها وأكملهم ، وكانت عَقِيلَةَ قومِها وسيدة نسائها ، فرقع في نفسه منها شيء ، فجعل لا يَدْرِي كيف يرسل إليها ولا ما يوافقها من ذلك ، فجلس بِفناء الخِباء يوماً وهي تسمع كلامه ، فجعل ينشد ويقول :
|
يَا أخْتَ خَيْرِ الْبَدْوِ وَالْحَضَارَهْ |
|
كَيْفَ تَرَيْنَ فِي فَتَى فَزَارَهْ |
|
أصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَهْ |
|
إيَّاكِ أعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَهْ |
فلما سمعت قوله عرفت أنه إياها يعني ، فقالت : ماذا بِقَوْلِ ذي عقل أريب ، ولا رأيٍ مصيب ، ولا أنف نجيب ، فأقِمْ ما أقَمْتَ مكرَّما ثم ارْتَحِلْ متى شئت مسلماً ، ويقال أجابته نظماً فقالت :
|
إنِّي أقُولُ يَا فَتَى فَزَارَهْ |
|
لاَ أبْتَغِي الزَّوْجَ وَلاَ الدَّعَارَهْ |
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
