أَسْرٍ ودقة عظم ، فواثب يوماً فتى فقطع الفتى أنفه ، فأخذت غُنيَة دِيةَ أنفه ، فحَسُنت حالها بعد فقر مُدْقِع ، ثم واثب آخر فقطع أذنه ، فأخذت دِيَتَها ، فزادت حُسْنَ حال ، ثم واثب آخر فقطع شَفَته ، فأخذت الدية ، فلما رأت ما صار عندها من الإبل والغنم والمَتَاع ، وذلك من كَسْب جوارح ابنها حَسُن رأيها فيه وذكرته في أرجوزتها فقالت :
|
أَحْلِفُ بالْمَرْوَةِ حَقَّاً وَالصَّفَا |
|
أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْ تَفَارِيقِ الْعَصَا |
قيل لأعرابي : ما تَفَاريق العصا؟ قال : العصا تُقْطع ساَجورا ، والسَّوَاجير تكون للكلاب وللأسْرَى من الناس ، ثم تقطع عصا الساجور فتصير أوتاداً ، ويفرق الوتد ، فتصير كل قطعة شِظَاظا ، فإن جعل لرأس الشِّظَاظ كالفَلَكة صار للبُخْتي مِهَارا ، وهو العود الذي يدخل في أَنْفِ البُخْتى ، وإذا فرق المِهار جاءت منه تَوَادٍ ، وهي الخشبة التي تشد على خِلْفِ الناقة إذا صُرَّت ، هذا إذا كانت عصاً ، فإذا كانت قَنَاة فكل شَق منها قَوْس بندقٍ ، فإذا فرقت الشقة صارت سهاماً ، فإن فرقت السهام صارت حِظاء ، فإن فرقت الحظاء صارت مغازل ، فإن فرقت المغازل شَعَبَ به الشَّعَّابُ أقداحه المَصْدُوعَةَ وقِصَاعه المشقوقة على أنه لا يجد لها أصلح منها وأليق بها. يضرب فيمن نَفْعُه أَعَمَّ من نفع غيره.
إنَّ العَصا قُرِعَتْ لِذِي الْحِلْم
قيل : إن أول من قُرِعت له العصا عمرُو بن مالك بن ضُبَيْعة أخو سعدِ بن مالك الكِناني ، وذلك أن سعداً أتى النعمانَ بن المنذر ومعه خيل له قادها ، وأخرى عَرَّاها ، فقيل له : لم عَرّيت هذه وقُدْت هذه؟ قال : لم أقد هذه لأمْنَعَهَا ولم أعر هذه لأهَبَهَا. ثم دخل على النعمان ، فسأله عن أرضه ، فقال : أما مَطَرها فغَزير ، وأما نَبْتها فكثير ، فقال له النعمان : إنك لَقَوَّال ، وإن شئت أتيتك بما تَعْيا عن جوابه ، قال : نعم ، فأمر وَصيفاً له أن يَلْطِمَهُ ، فلطَمه لَطْمة ، فقال : ما جواب هذه؟ قال : سَفِيه مأمور ، قال : الْطِمْه أخرى ، فلطمه ، قال : ما جوابُ هذه؟ قال : لو أَخِذ بالأولى لم يعد للأخرى ، وإنما أراد النعمان أن يتعدَّى سعد في المنطق فيقتله ، قال : الطمه ثالثة ، فلطمه ، قال : ما جواب هذه؟ قال : رَبٌّ يؤدب عبده ، قال : الْطِمْه أخرى ، فلطمه ، قال : ما جواب هذه؟ قال : مَلَكْتَ فأسْجِحْ ، فأرسلها مثلاً ، قال النعمان : أصَبْتَ فامكُثْ عندي ، وأعجبه ما رأى منه ، فمكث عنده ما مكث. ثم إنه بَدَا للنعمان أن يبعث رائداً ، فبعث عمراً أخا سَعْد ، فأبطأ عليه ، فأغضبه ذلك فأقسم لئن جاء ذامّاً للكلأ أو حامداً له ليقتلنه ، فقدم عمرو ، وكان سعد عند الملك ، فقال سعد : أتأذن أن أُكلمه؟ قال : إذَنْ يقطع لسانك ، قال : فأشير إليه؟ قال : إذن تقطع يدك ، قال : فأقرع له العصا؟ قال :
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
