جراد وقع بفنائك فجئنا لنأخذه ، فركب فرسَه وأخذ رمحه وقال : والله لا يعرضَنَّ له أحد منكم إلا قتلته ، إنكم رأيتموه في جِوَاري ثم تريدون أخذه ، فلم يزل يَحْرُسه حتى حميت عليه الشمسُ وطار ، فقال : شأنكم الآن فقد تحول عن جِوَاري. ويقال : إن المجير كان حارثة بن مر أبا حنبل ، وفيه يقول شاعر طيء.
|
ومنَّا ابنُ مُرٍّ أبو حَنْبَل |
|
أجار من الناس رَجْلَ الْجَرَادْ |
|
وزَيْدٌ لنا ، وَلَنَا حاتِمٌ |
|
غِياث الْوَرَى في السِّنِينَ الشِّدَادْ |
أحْمَى مِنْ مُجِيرِ الظُّعْنِ.
هو ربيعة بن مُكَدَّم الكناني. ومن حديثه فيما ذكر أبو عبيدة أن نُبَيْشَةَ بن حبيب السلمي خرج غازيا ، فلقي ظُعْناً من كنانة بالكديد فأراد أن يحتويها ، فمانعه ربيعة بن مُكَدَّم في فَوَارس ، وكان غلاما له ذُوَابة ، فشدَّ عليه نُبَيْشَة فطعنه في عضده ، فأتى ربيعة أمه وقال : شُدِّي عَلَيَّ العصب أُمَّ سَيَّارْ فقد رزِئْتِ فارساً كالدينارفقالت أمه : إنا بَنِي ربيعَةَ بن مالك نُرْزَأ في خِيارنا كَذَلكمن بين مَقْتُولٍ وبينِ هَالِك ... ثم عصبته ، فاستقاها ماء ، فقالت : اذْهَبْ فقاتل القوم فإن الماء لا يفوتك ، فرجع وكَرَّ على القوم فكَشَفهم ورجع إلى الظُّعَنِ وقال : إني لمَائِت ، وسأحمْيِكن ميتاً كما حميتكن حيّاً ، بأن أقف بفرسي على العَقَبة وأتكئ على رمحي ، فإن فاضَتْ نفسي كان الرمحُ عمادي فالنجاء النجاءَ ، فإني أرُدُّ بذلك وجوه القوم ساعةً من النهار ، فقطَعْنَ العقبة ، ووقف هو بإزاء القوم على فرسه متكئاً على رمحه ، ونَزَفَه الدمُ ففاظ والقومُ بإزائه يُحْجِمُون عن الإقدام عليه ، فلما طال وقوفُه في مكانه وَرَأَوْه لا يزول عنه رَمَوْا فرسَه فقمَصَ ، وخر ربيعة لوجهه ، فطلبوا الظُّعُنَ فلم يلحقوهن ، ثم إن حَفْصَ ابن الأحنف الكناني مر بجيفة ربيعة فعرفها فأمال عليها أحجاراً من الحرة وقال يبكيه :
|
لا يَبْعَدَنَّ ربيعةُ بن مُكَدَّمٍ |
|
وَسَقَى الغَوَادِي قبرهُ بذَنُوبِ |
|
نَفَرَت قَلُوصي من حِجارة حَرَّةٍ |
|
بُنِيَتْ على طَلْق اليدين وَهُوبِ |
|
لا تَنْفِرِي يا ناقُ مِنْهُ فإنه |
|
شَرَّابُ خمر مِسْتَعٌر لِحُرُوبِ |
|
لَوْلاَ السِّفَارُ وبُعْدُهُ من مَهْمَهٍ |
|
لتركْتُهَا تَحْبُو على العُرْقُوبِ |
قال أبو عبيدة : قال أبو عمرو بن العلاء : ما نعلم قتيلا حَمَى ظعائن غيرَ ربيعة بن مُكَدَّم.
أَحْمَى مِنَ أسْتِ النَّمِرِ.
لأن النمر لا يَدَعُ أن يأتيه أحدٌ من خلفه ويَجْهَدُ أن يمنعه.
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
