فقالت امرأته لابنتها : أيُّ الرجالِ أحبُّ إليك : الكَهْلُ الجَحْجَاح ، الواصِلُ المَنَّاح ، أم الفتى الوَضَّاح؟ قالت : لا ، بل الفتى الوضاح ، قالت : إن الفتى يُغِيرُك ، وإن الشيخ يَمِيرُك ، وليس الكَهْل الفاضل ، الكثيرُ النائِل ، كالحديث السنِّ ، الكثير المَنِّ ، قالت : يا أمتاه إن الفَتَاة تحبُّ الفتى كحبِّ الرعاء أنِيقَ الكَلاَ ، قالت : أي بُنَية إن الفتى شديد الحِجاب ، كثير العِتاب ، قالت : إن الشيخ يُبْلِي شبابي ، ويدنس ثيابي ، ويُشْمت بي أترابي ، فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على رأيها ، فتزوجها الحارث على مائة وخمسين من الإبل وخادم وألف درهم ، فابْتَنَى بها ثم رَحَل بها إلى قومه ، فبينا هو ذاتَ يوم جالسٌ بفِناء قومه وهي إلى جانبه إذ أقبَلَ إليه شَبَابٌ من بني أسد يعتلجون فتنفَّست صُعَداء ، ثم أرْخَتْ عينيها بالبكاء ، فقال لها : ما يُبْكِيكِ؟ قالت : مالي وللشيوخ ، الناهضين كالفُرُوخ ، فقال لها : ثَكِلَتْكِ أمُّكِ تَجُوع الحرة ولا تأكل بثدييها. قال أبو عبيد : فإن كان الأصل على هذا الحديث فهو على المثل السائر لا تأكل ثدييها وكان بعضُ العلماء يقول : هذا لا يجوز ، وإنما هو لا تأكل بثدييهاقلت : كلاهما في المعنى سَوَاء ، لأن معنى لا تأكل ثدييها لا تأكل أجْرَةَ ثدييها ، ومعنى بثدييها أي لا تعيش بسبب ثَدْييها وبما يُغِلاَّن عليها. ثم قال الحارث لها : أما وأبيك لرُبَّ غارةٍ شهدتها ، وسَبِيَّة أردفتها ، وخَمْرة شربتها ، فالحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك ، وقال :
|
تَهَزَّأت أنْ رَأتْنِي لابساً كِبَراً |
|
وغايةُ الناس بين المَوْتِ والكِبَرِ |
|
فإن بقيتِ لقيتِ الشَّيْبَ راغمَةً |
|
وفي التعرُّفِ ما يمضي من العِبَرِ |
|
وإن يكن قد عَلاَ رأسي وغَيَّره |
|
صَرْفُ الزمانِ وتغييرٌ من الشَعرِ |
|
فقد أرُوحُ للذَّاتِ الفَتَى جَذِلا |
|
وَقَدْ أصِيبُ بها عِيناً من البَقَرِ |
|
عَنِّي إليكِ فإني لا تُوَافِقُنِي |
|
عُورُ الكلام ولا شُرْبٌ على الكَدَرِ |
يضرب في صيانة الرجل نفسه عن خسيس مكاسب الأموال.
تَحْسَبُها حَمْقَاءَ وَهْيَ باخِسٌ.
ويروى باخسة فمن روى باخس أراد أنها ذات بَخْس تَبْخَسُ الناسَ حقوقَهم ، ومن روى باخسة بناه على بَخَسَتْ فهي باخسة. يقال : إن المثل تكلم به رجلٌ من بني العَنْبَر من تميم ، جاورته امرأة فنظر إليها فحسبها حمقاء لا تعقل ولا تحفظ ولا تعرف مالها ، فقال العنبري : ألا أخْلِطُ مالي ومَتَاعي بمالها ومتاعها ثم أقاسمها فآخذ خيرَ متاعها وأعطيها الرديء من متاعي ، فقاسمها بعد ما خَلَط متاعه بمتاعها ، فلم ترض عند المُقَاسَمة
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
