تؤكّد أنّ عدم وضوح الأمر بالتأمين والاختلاف فيه ، هو عملية متناقضة ، كالمسائل الأخرى المتناقضة والمتضاربة ، وهذا يدلّ على أنّها ليست من نبع النبوة ومعدن الرسالة.
إنّ التأمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة لم يكن معروفا في العهد النبويّ ، ولا أمر رسول الله به ، بل إنّها مسألة استحدثت بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في عهد عمر بن الخطّاب ، والراجح أنّها استحدثت في عهد معاوية ، وكان المُنَظِّرَ الأوّل لها أبوهريرة ، كما سيتبيّن من خلال الروايات التي تدعو إلى التأمين ، فإنّها في أغلبها واردة عنه.
فقد روى ابن ماجة في سننه ، عَن أبي هُرَيْرَة ؛ قَالَ : ترك الناس التأمين ، وكان رَسُول اللهِ صلىاللهعليهوسلم إذا قال ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) (١) قال : آمين ، حتّى يسمعها أهل الصفّ الأوّل. فيرتجّ بها المسجد (٢).
فهل من الممكن أن يترك كلّ الصحابة التأمين ، إذا كان هو المأمور به في عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتّى يأتي أبو هريرة بعد عقد أو عقود حتّى يذكر الناس به ، ويشدّد عليه ، ويأمر به ؟.
وممّا يؤكد أنّ التأمين كان أمراً مستحدثا ، رواية البخاري التالية :
فقد روى في صحيحه ، في كتاب صفة الصلاة قال : أمّن ابن الزبير ومن وراءه ، حتّى أنّ للمسجد للجّة ، وكان أبو هريرة ينادي الإمام : لا تفتنّي بآمين. وقال نافع : كان ابن عمر لا يدعه ، ويحضهم ، وسمعت منه في ذلك خيرا (٣).
لاحظوا عندما يقول أمّن ابن الزبير ، فلو كان التأمين بعد الفاتحة في الصلاة
__________________
(١) الفاتحة : ٧.
(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٢٧٨.
(٣) فتح الباري ٢ : ٢١٨.
