وروى الطبراني من طريق يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبيه عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن أبيه ، عن جدّه مرفوعاً : من توضّأ فأسبغ الوضوء ، ثمّ عمد إلى مسجد قباء ، لا يريد غيره ، ولا يحمله على الغدوّ إلا الصلاة في مسجد قباء ، فصلّى فيه أربع ركعات ، يقرأ في كلّ ركعة بأمّ القرآن ، كان له مثل أجر المعتمر إلى بيت الله (١).
ثمّ إنّ هناك تناقضاً آخر يتعارض مع الحديث الأول ، فقد روى ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن أبي الهذيل أنّه سمع عمر يقول : لا تشدّ الرحال إلا إلى البيت العتيق (٢).
ولا يقولنّ أحد أنّ هذا قول لعمر ، إذ إنّه عندكم مشرِّع ، وله تشريعات كثيرة ، والتي لم ترد على لسان رسول الله ، ولكنّكم قرّرتم بأنّها من الشرع كصلاة التراويح وغيرها.
وعلى ذلك فهل من حرّم شدّ الرحال الى غير تلك المساجد الثلاثة كابن تيمية وأمثاله يعتبرون أنّ رسول الله قد فعل حراماً ، إذ كيف يحرّم شيئاً ويأتي بمثله ؟
أو أنّ هذا الحديث وضع على لسان رسول الله من أجل غاية يصبوا إليها وضّاعوا الحديث ؟
أعتقد جازماً أنّ هناك أسراراً وحقائق مثيرة هي السبب في وضع هذا الحديث. فما هي تلك الخفايا والأسرار وراء ذلك ؟
إنّ من الطبيعة البشريّة ، أنْ يتعلّق البشر بحبّ شيء ، على أنْ يكون هذا الحبّ ملموس لدى الناس ، ولأنّ الله تعالى اسمه هو الذي خلقنا ، وحدّد ما
__________________
(١) المعجم الكبير ١٩ : ١٤٦.
(٢) الطبقات الكبرى ٦ : ١١٥ ، وعنه في كنز العمّال ٥ : ١٣٩.
