لقد تجاوزت صناعة الفضائل على حساب شخص رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من قبل الوضّاعين حدّاً تجاوز كلّ الحدود ، حتّى وصل إلى ما يصحّ أنْ يقال عنه مهزلة ليس من مهزلة بعدها ، فبعد أنْ ألصقوا كلّ ما ذكرنا من تهم ونقائص في حقّ رسول الله مخالفين بذلك كلّ المفاهيم القرآنية ، بل وحتّى الإنسانيّة منها ، حتّى جعلوا من عمر وغيره أفضل حالاً وأصوب رأياً من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهم هنا وبجرأة صريحة يدّعون أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم استحقّ العذاب بسبب مخالفته لرأي عمر بن الخطاب ، وهذا من أعجب ما قرأت ممّا ذكره أصحاب الصحاح والمسانيد ، وتلقّفه العلماء والشرّاح ، وتلقّته العامّة بالرضا والقبول.
فبحسب هذه الروايات صار عمر عند الله وعند الناس أعلى منزلة من منزلة النبوّة ومقام الرسالة.
فعند قراءتك في تفاسير أهل السنّة والجماعة ومن صحاحهم ومسانيدهم لتفسير قوله تعالى في سورة الأنفال : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (١). فسوف يكتشف المنصف المدقّق صحّة ما ذكرت.
فقد نزلت هذه الآيات على حسب رأي أهل السنّة والجماعة عتابا للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وتهديداً له بالعذاب ، بسبب مخالفته لرأي عمر بن الخطاب وأخذه الفداء من أسرى بدر وعدم قتله لهم في نفس الوقت الذي كان فيه عمر بن الخطاب يريد قتلهم جميعاً ، فنزلت الآية مؤيّدة لرأي عمر على حسب قولهم موافقة له مهدّدة بالعذاب الشديد لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومن معه ، ورووا في ما يؤيّد رأيهم
__________________
(١) الأنفال : ٦٧ ـ ٦٨.
