قلت : ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبي ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام وكان يعهد أنّ من اشتدّ عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أنْ يقوله لجواز وقوع ذلك ، ولهذا وقع في الرواية الثانية (فقال بعضهم إنّه قد غلبه الوجع) ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمّد بن خلاد عن سفيان في هذا الحديث (فقالوا : ما شأنه يهجر ، استفهموه) وعن ابن سعد من طريق أخرى عن سعيد بن جبير (أنّ نبيّ الله ليهجر) ، ويؤيّده أنّه بعد أنْ قال ذلك استفهموه بصيغة الأمر بالاستفهام أي اختبروا أمره بأنْ يستفهموه عن هذا الذي أراده وابحثوا معه في كونه الأولى أولا.
وفي قوله في الرواية الثانية : (فاختصموا فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم) ما يشعر بأنّ بعضهم كان مصمماً على الامتثال والردّ على من امتنع منهم ، ولمّا وقع منهم الاختلاف ارتفعت البركة كما جرت العادة بذلك عند وقوع التنازع والتشاجر.
وقد مضى في الصيام أنّه صلىاللهعليهوسلم خرج يخبرهم بليلة القدر فرأى رجلين يختصمان فرفعت ، قال المازري : إنّما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم بذلك ؛ لأنّ الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب ، فكأنّه ظهرت منه قرينة دلّت على أنّ الأمر ليس على التحتّم ، بل على الاختيار فاختلف اجتهادهم.
وصمّم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنّه صلىاللهعليهوسلم قال ذلك عن غير قصد جازم ، وعزمه صلىاللهعليهوسلم كان إمّا بالوحي وإمّا بالاجتهاد ، وكذلك تركه إنْ كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد أيضاً ، وفيه حجّة لمن قال بالرجوع إلى الاجتهاد في الشرعيّات.
