تلخيصاً حسناً ، ثمّ لخصته من كلامه ، وحاصله : أنّ قوله هجر ، الراجح فيه إثبات همزة الاستفهام وبفتحات على أنّه فعل ماض ، قال : ولبعضهم أَهُجْراً بضمّ الهاء وسكون الجيم والتنوين على أنّه مفعول بفعل مضمر ، أي : قال هُجراً ، والهُجر بالضمّ ثمّ السكون الهذيان ، والمراد به هنا ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم ولا يعتدّ به لعدم فائدته.
ووقوع ذلك من النبيّ صلىاللهعليهوسلم مستحيل ؛ لأنّه معصوم في صحّته ومرضه لقوله تعالى : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ) (١). ولقوله صلىاللهعليهوسلم : « إنّي لا أقول في الغضب والرضا إلا حقّا ». وإذا عرف ذلك فإنّما قاله مَن قاله منكراً على من يوقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة ، فكأنّه قال : كيف تتوقف أتظنّ أنّه كغيره يقول الهذيان في مرضه ؟ امتثل أمره وأحضره ما طلب ، فإنّه لا يقول إلا الحقّ ، قال : هذا أحسن الأجوبة ، قال : ويحتمل أنّ بعضهم قال ذلك عن شكّ عرض له ، ولكن يبعّده أنْ لا ينكره الباقون عليه مع كونهم من كبار الصحابة ، ولو أنكروه عليه لنقل ، ويحتمل أنْ يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة كما أصاب كثيراً منهم عند موته.
وقال غيره : ويحتمل أن يكون قائل ذلك أراد أنّه اشتدّ وجعه فأطلق اللازم وأراد الملزوم ، لأنّ الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ عن شدّة وجعه.
وقيل : قال ذلك لإرادة سكوت الذين لغطوا ورفعوا أصواتهم عنده ، فكأنّه قال : إنّ ذلك يؤذيه ويفضي في العادة إلى ما ذكر ، ويحتمل أنْ يكون قوله أهجر فعلاً ماضياً من الهجر بفتح الهاء وسكون الجيم والمفعول محذوف أي الحياة ، وذكره بلفظ الماضي مبالغة لما رأى من علامات الموت.
__________________
(١) النجم : ٣.
