وقال النووي : اتّفق قول العلماء على أنّ قول عمر " حسبنا كتاب الله " من قوّة فقهه ودقيق نظره ؛ لأنّه خشي أنْ يكتب أموراً ربّما عجزوا عنها فاستحقّوا العقوبة لكونها منصوصة ، وأراد أنْ لا ينسد باب الاجتهاد على العلماء.
وفي تركه صلىاللهعليهوسلم الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه رأيه ، وأشار بقوله : (حسبنا كتاب الله) إلى قوله تعالى : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (١).
ويحتمل أنْ يكون قصد التخفيف عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لمّا رأى ما هو فيه من شدّة الكرب ، وقامت عنده قرينة بأنّ الذي أراد كتابته ليس ممّا لا يستغنون عنه ، إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه صلىاللهعليهوسلم لأجل اختلافهم ، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس : إنّ الرزيّة ... إلخ ؛ لأنّ عمر كان أفقه منه قطعاً.
وقال الخطابي : لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبي صلىاللهعليهوسلم يريد كتابته ، بل امتناعه محمول على أنّه لمّا رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت خشي أن يجد المنافقون سبيلاً إلى الطعن فيما يكتبه وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق ، فكان ذلك سبب توقف عمر ، لا أنّه تعمّد مخالفة قول النبيّ صلىاللهعليهوسلم ولا جواز وقوع الغلط عليه حاشا وكلّا.
وقد تقدّم شرح حديث ابن عبّاس في أواخر كتاب العلم ، وقوله : (وقد ذهبوا يردّون عنه) يحتمل أن يكون المراد يردون عليه أي يعيدون عليه مقالته ويستثبتونه فيها ، ويحتمل أن يكون المراد يردّون عنه القول المذكور على من قاله.
قوله : (فقال دعوني : فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه) قال ابن الجوزي وغيره : يحتمل أن يكون المعنى دعوني فالذي أعاينه من كرامة الله التي أعدّها
__________________
(١) الأنعام : ٣٨.
