وعلى حسب ما ندرك من طبيعة المسلمين ونرى ونسمع ، لا يمكن لمسلم مهتمّ بصلواته وطاعة ربّه أنْ يغفل عن وجوب رفع الحدث الأكبر ، ولا يمكن لإنسان عاديّ غير معصوم وليس لديه مهام نبويّة أو رساليّة قد جامع زوجته ثمّ ينسى أنّه جنب ، فما بالك برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي عصمه الله من الزلل.
فهذه أيضا من المواقف التاريخيّة التي ألصقوا بها التهم على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهي لا تليق به ، ولا تجوز عليه ، وما أظنّها وضعت إلا لحفظ ماء الوجه أمام الناس لأشخاص كانوا يستيقظون وينامون ويستيقظون على جنابة من دون مراعاة لأمور العبادة والطاعة ، فكانت الحقيقة أنْ كُشف أمرهم أمام الناس ، فلم يبقَ مجال أمامهم إلا أنْ يقولوا للناس وبصفتهم صحابة قد كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم ينسى أنّه جنب ، فما بالكم اعتبرتم الأمر منقصة علينا ، وهكذا يبدو الأمر طبيعيّا لا غرابة فيه ولو كان على حساب مقام النبوّة ومنزلة الرسالة وخلق النبيّ العظيم.
روى البخاري في صحيحه في كتاب الغسل ، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره ، عن أبي هريرة قال : لقيني رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأنا جنب ، فأخذ بيدي ، فمشيت معه حتى قعد ، فانسللت ، فأتيت الرحل ، فاغتسلت ثمّ جئت وهو قاعد ، فقال : أين كنت يا أبا هريرة. فقلت له ، فقال : سبحان الله يا أبا هريرة ، إنّ المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم وغيرهما كثير (١).
ثمّ إنّ هناك تناقض آخر في الروايات وهو أنّ بعض روايات أبي هريرة تقول إنّ الرسول كبّر تكبيرة الصلاة ، وفي بعضها لم يكبّر بل أقيمت الصفوف مع أنّ الراوي واحد.
تخيّل نفسك أخي المؤمن أنّك معتاد لإمامة قوم معيّنين ، وكانوا يعتبرونك
__________________
(١) أنظر صحيح البخاري ١ : ٧٤ ـ ٧٥ ، صحيح مسلم ١ : ٩٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٧٨ ، صحيح ابن حبّان ٤ : ٧٠.
