وفي نظري أنّ هذا التصور ليس كافياً وحده أن يكون سبب التفضيل بشيء ولا لأنّ ابن عباس كان أسمى من أن ينصاع لمثل تلك الأعراف ، بل لأجل ما رأى من قلة المفارقات والتناقضات في الأحكام في إمرة المطيبي ، لقصر مدتها وتفاقمها أضعاف مضاعفة في إمرة الأحلافي لطول المدة ، مضافاً إلى ما بين طبيعة كلّ من الرجلين من تفاوت في اللين عند الأوّل والشدة عند الثاني. وما أكثر شواهد ذلك ، وبحسب القارئ أن يعرف أنّ لعمر كانت درّة يخفق بها الرؤوس حتى صارت مضرب المثل بأنها أهيب في صدور الناس من سيف الحجاج(١) بينما لم يكن لأبي بكر درّة ولا ذرّة ، فسالمته نفوس كثيرة ، بينما كان عمر يأخذ الناس بالشدة والعنف ، وقليل ما هم الذين كانوا يجرأون فيقولون له ابتداءً ما ينبغي وما لا ينبغي.
فهذا الجانب فيما أحسبه هو الّذي جعل ابن عباس يفضّل إمرة أبي بكر على إمرة عمر ، لأنّه كان يعاني من عمر شدته مع افتقاره العلمي خصوصاً في الأحكام ، فكان يغيّر ويبدّل بما جرى على لسانه ، حتى حفظ عنه راوٍ واحد وهو عبيدة السلماني مائة قضية في الجد كلّها ينقض بعضها بعضاً(٢) وهذا ليس افتئات أو افتراء منه على عمر. فان عمر نفسه كان يقول : «إنّي قضيت في الجد قضايا مختلفة كلها لا آلو فيه عن الحق ، ولئن عشت إن شاء الله إلى الصيف لأقضين فيها قضية تقضي به المرأة وهي على ذيلها» ! وسيأتي مزيد بيان عن تناقضات عمر في الأحكام وموقف ابن عباس منها.
_________________________
(١) كلمة قالها الشعبي كما في ثمار القلوب للثعالبي / ٨٥ ، ونقلها الدميري في حياة الحيوان في ترجمة عمر.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٦ / ٢٤٥ ط حيدر اباد ، ومصنف عبد الرزاق ١٠ / ٢٦٢.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٢ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1165_mosoa-abdollahebnabbas-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

