فقد احتل مكانة في نفس عمر لم يحصل عليها ولا ابنه عبد الله بن عمر ، فقد كان هو الوحيد من بين أقرانه سناً الّذي يحضر مجلس شورى عمر (الخاص) ، وهو المفضّل رأياً في مجلس شوراه (العام) ، وهو صاحبه في الحضر ، وهو رفيقه في السفر ، وكان عمر يعتدّ برأيه ويأخذ بقوله.
وكذلك كان ابن عباس مطمئناً ـ باعتداد ـ إلى رسوخ مكانته عند عمر ، فكان يجرأ على مخاصمته ، ويقوى على مجادلته ، ويوسعه من الحجة ما يضيق معها صدره ، ومع ذلك يحتمل منه عمر ما لم يحتمل من غيره ؟!
فمن كان بهذه المثابة والمنزلة لماذا يفضل ولاية أبي بكر على ولاية عمر ، وهو لم يحصل في ولاية أبي بكر على مثل ذلك ؟ ويكون جوابه لابن صفوان : لإمرة المطيبين كانت أفضل من إمرة الأحلاف(١) لماذا ذلك ؟
قد يقول قائل : إنّ ابن عباس إنّما فضّل ولاية أبي بكر ، لأنّهما كانا معاً من المطيّبين ، وذلك حسب الأعراف القبلية السائدة يومئذ ، وهي نزعة كانت قبل الإسلام على أساس التحالف ، ثم بقيت آثارها تظهر بين حينٍ وآخر حين تشتد الخصومات ، وتتعالى الأصوات في المنازعات. وقد بقيت آثارها حتى بعد ذلك العهد ، ويجد الباحث أثراً لها في خصومة وقعت وللهاشميين حضور في مجلس معاوية وذلك ما جرى بين أُسامة بن زيد وعمرو بن عثمان في حائط من حيطان المدينة وادعاه كلّ منهما ، فتلاحيا وتفاخرا ، حتى أنشطر الحاضرون فقام مروان وسعيد بن العاص وجلسا إلى جنب عمرو بن عثمان وقام الحسن بن عليّ وعبد الله بن جعفر وجلسا إلى جنب أُسامة ، وحسم النزاع معاوية وحكم بالحائط لأسامة خشية من بني هاشم أن يتفاقم الخطب(٢).
_________________________
(١) جمل أنساب الأشراف للبلاذري ١ / ١٦٣ تحـ. د سهيل زكارود. رياض زركلي ط بيروت.
(٢) أمالي المفيد كما في بحار الأنوار ٤٤ / ١٠٧ ط الحديثة.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٢ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1165_mosoa-abdollahebnabbas-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

