وقد منعه عثمان من الفتيا والحديث بل حضر حتى مجالسته ، لكنه لم يعبأ بذلك كلّه ، فقال كما أخرج البخاري : « وقال أبو ذر : لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثمّ ظننت أنّي أنفذ كلمة سمعتها من النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها»(١).
وفي حديث المسعودي في مروج الذهب(٢) وقد ساق خروج أبي ذر وتوديع الإمام له وما جرى له مع مروان قال : «فلمّا رجع عليّ استقبله الناس فقالوا له : إنّ أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر ، فقال عليّ : غَضَبَ الخيل على
_________________________
(١) صحيح البخاري ١ / ٢١ ط بولاق في كتاب العلم باب العلم قبل القول.
أقول : لم يذكر البخاري تمام ما قاله أبو ذر ، وغضّ الطرف عن سبب ذلك لما فيه من تحريج وتهريج. وإليك ما قاله أبو ذر برواية حميد بن زنجويه في كتابه الأموال ـ وهذا من معاصري البخاري ، فإنه مات سنة ٢٥١ قبل وفاة البخاري بخمس سنين ـ روى في كتابه الأموال برقم ١٥٧٨ / ٨٩٢ ط مركز الملك فيصل سنة ١٤٠٦ هـ بسنده عن أبي ذر أن رجلاً أتاه فقال : إن مصدّقي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أتونا فصدّقونا ثمّ أتانا مصدّقو (أبا بكر) فصدّقونا كما صدّقنا مصدّقو رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ أتانا مصدّقو عمر فصدّقونا كذلك. ثمّ أتى مصدّقو عثمان فصدّقونا كذلك صدراً من خلافته ، ثمّ ازدادوا علينا ، أفأغيّب عنهم من مالي بقدر ما ازدادوا علينا ؟ فقال : لا قف بمالك عليهم ، وقل : ما كان لكم من حقّ فخذوه ، وما كان باطلاً فذروه ، فما تعدّوا عليك ، جعل في ميزانك يوم القيامة. وعلى رأسه فتى من قريش فقال : ما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا. قال : أرقيبٌ أنت عليّ ؟ فوالذي نفسي بيده ، لو وضعتم الصمصامة ها هنا ثمّ ظننت أنّي منفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها.
وكذلك أخرجه الدارمي في سننه ١ / ١١٢ ط دار المحاسن للطباعة سنة ١٣٨٦ هـ موصولاً من طريق الأوزاعي حدثني أبو كثير ـ يعني مالك بن مرتد ـ عن أبيه قال أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه ، فأتاه رجل فوقف عليه ثمّ قال : ألم تنه عن الفتيا ؟ فرفع رأسه إليه فقال : أرقيب أنت عليّ. لو وضعتم فذكر مثله.
وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١ / ١٦٠ ط السعادة بمصر.
وأخرجه ابن حجر في فتح الباري ١ / ١٧١ ط مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٧٨ هـ.
(٢) مروج الذهب ٢ / ٣٥٠.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٢ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1165_mosoa-abdollahebnabbas-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

