والسر فيه هو أنّ كون ديدن المتكلّم على ذلك لا يكون موجبا لتنجّز القرينة المنفصلة بقول مطلق حتّى لو تفحّصنا عنها فلم نعثر عليها ، بل يكون أقصى ما فيه أنّه يكون موجبا للتوسّط في التنجّز بالنسبة إلى القرينة المنفصلة ، بمعنى أنّه إنّما ينجّز القرينة التي يمكن المكلّف أن يعثر عليها بالفحص عنها ، بحيث يكون جريان ديدن المتكلّم على ذلك موجبا لتنجّز القرينة المنفصلة لو كانت موجودة وكان المكلّف متمكّنا من العثور عليها بالفحص ، لأنّ العقلاء بعد اطّلاعهم على ديدن المتكلّم لا يرون المخاطب معذورا في الأخذ بظاهر كلامه المفروض أنّه يحتمل احتمالا قريبا أنّه أراد خلافه وأنّه اعتمد كجاري عادته على القرينة المنفصلة المفروض إمكان الاطّلاع عليها بالفحص.
أمّا بعد الفحص وعدم العثور فذلك الاحتمال أعني احتمال الاعتماد على القرينة المنفصلة كجاري عادته وإن كان موجودا إلاّ أنّه لمّا كان المكلّف حينئذ غير متمكّن من الوصول إلى القرينة على تقدير وجودها واقعا ، يرونه معذورا في الأخذ بذلك الظاهر ، ويرون أنّ له أن يحتجّ على الآمر ويعتذر بما هو ظاهر كلامه.
والحاصل : أنّ احتمال وجود القرينة المنفصلة قبل الفحص يكون احتمالا عقلائيا ، ويكون موجبا في أنظارهم للتوقّف في الأخذ بأصالة الظهور ، ولا يرونها حجّة قاطعة للعذر ، إذ مع إحراز كون ديدن المتكلّم على الاعتماد على القرائن المنفصلة يقوى احتمال وجودها واحتمال العثور عليها بالفحص ، ومع وجود هذين الاحتمالين القويين في أنظارهم لا يرون أصالة الظهور مستندا وحجّة قاطعة من الطرفين ، بخلاف ما بعد الفحص وعدم العثور فإنّه حينئذ يكون الاحتمال الثاني منعدما بالمرّة ويكون الاحتمال الأوّل في منتهى الضعف والسقوط في أنظارهم.
![أصول الفقه [ ج ٥ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F973_osol-alfeqh-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
