|
وأنكَرْتَ نفسَكَ لما كَبِرْتَ |
|
فلا هِيَ أَنْتَ ولا أَنْتَ هِي |
|
وإن ذكرت شَهَوَاتُ النفوسِ |
|
فما تشتهي غيرَ أن تشتهى |
وأعيذه أن يَرِدَ صَفْوَ منهلِهِ التقاطا ، ويشرب عَذْب زُلاله نقاطا ، ثم يتحزَّم لتَغْوِير مَنَابعه بالتعيير ، ويتشمر لتكدر مَشَارِعه بالتغيير ، بل المأمولُ أن يسد خَللَه ، ويُصْلح زَلَله ، فقلما يخلو إنسان من نِسيان ، وقلم من طغيان.
وهذا فصل يشتمل على معنى المثل وما قيل فيه. قال المبرد : المثَلُ مأخوذ من المِثال ، وهو : قولٌ سائرٌ يُشَبَّه به حالُ الثاني بالأول ، والأصل فيه التَّشْبِيه ، فقولُهم مَثَلَ بَيْنَ يَدَيه إذا انتصب معناه أَشْبَهَ الصورةَ المنتصِبة ، وفلان أَمْثَلُ من فلان أي أَشْبَهُ بما لَه (من) الفضل. والمِثالُ القِصاصُ لتشبيه حالِ المقتَصِّ منه بحال الأول ، فحقيقة المَثَلِ ما جُعل كالعلم للتشبيه بحال الأوَّل ، كقول كعب ابن زهير :
|
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا |
|
وما مواعيدها الا الاباطيل |
فمواعيد عرقوب عَلَم لكل ما لا يصح من المواعيد. قال ابن السِّكِّيتِ : المَثَلُ : لَفْظٌ يخالفُ لفظَ المضروب له ، ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ ، شَبَّهُوه بالمثال الذي يُعْمَلُ عليه غيره. وقال غيرهما : سُمِّيت الحكَمُ القائمُ صدقُها في العقول أمثالا لانتصاب صُوَرِها في العقول ، مشتقَّة من المثُول الذي هو الانتصاب. وقال إبراهيم النظام : يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام : إيجاز اللفظ ، وإصابة المعنى ، وحُسْن التشبيه ، وجَوْدة الكناية ، فهو نهاية البلاغة. وقال ابن المقفع : إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق ، وآنَقَ للسمع ، وأَوْسَعَ لشُعُوب الحديث. قلت : أربعة أحرف سمع فيها فَعَلٌ وفِعْلٌ ، وهي مَثَلٌ ومِثْلٌ ، وَشَبَه وَشِبْه ، وَبَدَل وبِدْل ، ونكَل ونِكْل ، فمَثَلُ الشئ ومِثلُه وشَبَهه وشِبْهُه : ما يماثله ويشابهه قدراً وصفةً ، وبَدَل الشيء وبِدْلُه : غيره ، ورجل نَكَل ونِكْل للذي ينكل به أعداؤه. وفَعيل لغةٌ في ثلاثة من هذه الأربعة ، يقال : هذا مَثِيله وشَبِيهه وبَدِيله ، ولا يقال نكيله ، فالْمَثَلُ ما يُمَثَّلُ بِهِ الشيء : أي يُشّبَّه ، كالنَّكَل من يُنَكًّل به عدوّه ، غير أن المِثْلَ لا يوضع في موضع هذا المَثَل وإن كان المَثَلُ يوضع موضعه ، كما تقدم للفرق ، فصار المَثَل اسماً مصرحاً لهذا الذي يضرب ثم يردُّ إلى أصله الذي كان له من الصفة ، فيقال : مَثَلُكَ ومَثَلُ فلانٍ : أي صفتك وصفته ، ومنه قوله تعالى : (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي صفتها ، ولشدة امتزاج معنى الصفة به صح أن يقال : جعلتُ زيداً مثلا ، والقوم أمثالا ، ومنه قوله تعالى : (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ) جعل القوم أنفسهم مثلا في أحد القولين ، والله أعلم.
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
