عند الأمير ما أمْكَنَه إنما هو من قولهم فلان مَكِين عند فلان وله مكانة عنده أي منزلة ، فلما رأوا المكانة وهي من مَصَادر فَعَل بضم العين ، وسمعوا المكِيَن وهو من نعوت هذا الباب نحو كَرُم فهو كريم وشَرُف فهو شريف ، توهموا أنه من مَكُنَ مَكَانة فهو مَكِين مثل مَتُن مَتَانة فهو مَتِين ، فقالوا : ما أَمْكَنه ، وفلان أَمْكَنُ من فلان ، وليس توهمهم هذا بأغْرَبَ من توهمهم الميم في التمكن والإمكان والمكانة والمكان وما اشتقَّ منها أصلية ، وجميعُ هذا من الكون ، وهذا كما أنهم توهموا الميم في المِسْكِين أصلية فقالوا : تَمَسْكَنَ ، ولهذا نظائر. وأما قولهم ما أصْوَبَه على لغة من يقول صَاب يعني أصاب ولم يزيدوا على هذا فإني أقول : هذا اللفظ أعني لفظ صاب مبُهْم لا يُنْبئ عن معنى واضح ، وذلك أن صاب يكون من صَابَ المطرُ يَصُوب صَوْباً ، إذا نزل ، وصَابَ السهمُ يَصُوب صَيْبُوبة ، إذا قصد ولم يَجْرُ ، وصاب السهمُ القرطاسَ يَصِيبه صَيْباً لغة في أصاب ، ومنه المثل مَعَ الخواطئ سهم صَائِب فإن أرادوا بفولهم صاب هذا الأخيَر كان من حقهم أن يقولوا : ما أصْيَبَه ، لأنه يائي ، وإن أرادوا بقولهم : أصاب أي أتى بالصواب من القول فلا يقال فيه صَاب يَصِيب. وأما قوله قالوا ما أَخْطَأه لأن بعض العرب يقول : خَطِئت في معنى أخطأت فهو على ما قال. وأما ما أشْغَلَه فلا رَيْبَ في شذوذه ، لأنه إن حُمل على الاشتغال كان شاذا ، وإن حمل على أنه من المفعول فكذلك. وأما ما أزْهَاهُ وحمله على الشذوذ من قولهم زُهِيَ فهو مَزْهُوٌّ فإن ابن دُرَيد قال : يقال زَهَا الرجلُ يَزْهُو زَهْواً أي تكبر ومنه قولهم : ما أزْهَاه ، وليس هذا من زُهِىَ لأن ما لم يسم فاعله لا يتعجب منه ، هذا كلامه ، وأمر آخر ، وهو أن بين قولهم ما أشغله وما أزهاه إذا حمل على زُهى فرقاً ظاهراً ، وذلك أن المزهُوَّ وإن كان مفعولا في اللفظ فهو في المعنى فاعل ، لأنه لم يقع عليه فعل من غيره كالمشغول الذي شَغَله غيره ، فلو حمل ما أزْهَاه على أنه تعجب من الفاعل المعنوي لم يكن بأس. وأما قولهم ما آبَلَه أي ما أكثر إبلَه ، ثم قوله وإنما يقولون تأبَّلَ إبلا إذا اتخذها ففي كل واحد منهما خلل ، وذلك أن قولهم ما آبله ليس من الكثرة في شيء ، إنما هو تعجب من قولهم أبِلَ الرجلُ يأبل إباله مثل شكس شكاسة فهو أَبِل وآبِل أي حاذق بمصلحة الإبل ، وفلان من آبَل الناس ، أي من أشدهم تأنقا في رعْيَةِ الإبل وأعلمهم بها ، فقولهم ما آبَلَهُ معناه ما أحْذَقَه وأعْلَمَه بها ، وإذا صح هذا فحملُه ما آبله على الشذوذ سهو ، ثم حمله على معنى كثر عنده الإبل سهوٌ ثانٍ ، وقوله تأبَّلَ أي اتخذ إبلا سهو ثالث ، وذلك أن التأبل إنما هو امتناع الرجل من غِشْيان المرأة ومنه الحديث لقد تأبَّلَ آدمُ على ابنه المقتول كذا عاما وتأبلت الإبل : اجتزأت بالرطب عن الماء
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
